أمنوس. ما | ميمون عزو
في خضم النقاش المتجدد حول أداء الجماعات المحلية، تبرز تساؤلات مشروعة من المواطنين حول غياب مشاريع تنموية حقيقية وتأخر واضح في توفير الخدمات الأساسية، خصوصاً في جماعات إقليم الناظور.
غير أن نظرة فاحصة إلى الواقع المالي والقانوني لهذه المؤسسات تكشف أن الإشكال أعقد بكثير من مجرد تقصير في التسيير أو غياب الكفاءات.
الحقيقة التي يتغافل عنها الكثيرون، سواء عن قصد أو جهل، أن الجماعات الترابية في المغرب لا تمتلك سلطة القرار الفعلي فيما يتعلق بالمشاريع الكبرى أو إحداث فرص الشغل, فالإرادة المركزية، ممثلة في الدولة، هي التي تتحكم في رسم السياسات التنموية الكبرى، وتحديد الأولويات، وتوزيع الاعتمادات المالية المرتبطة بالبنية التحتية، التجهيز، والبرامج الاجتماعية.
لنأخذ مثالاً حياً من جماعات إقليم الناظور: ، فمثلا جماعة بحجم بني انصار المتاخمة للحدود مع مليلية المحتلة ، تذهب نسبة 70٪ أو اكثر من الميزانية إلى رواتب الموظفين، و10٪ او اكثر إلى التدبير المفوض المرتبط بجمع النفايات، و10٪ او أكثر أخرى إلى الإنارة العمومية، في حين يتبقى هامش ضئيل لا يتعدى 05 ٪ لتغطية مصاريف التسيير اليومي، الالتزامات القضائية، والصيانة الطفيفة. بهذا الشكل، تصبح الجماعة عاجزة عن إطلاق أي مشروع حقيقي له أثر ملموس على الحياة اليومية للمواطن.
حتى الجماعات التي تظهر تقاريرها فائضاً في الميزانية، فإن ذلك في الغالب “فائض غير حقيقي”، لأنه يتم عبر تجاهل بنود مالية حساسة، مثل الأحكام القضائية الصادرة ضد الجماعة، أو المستحقات غير المؤداة، أو حتى الدعم الاستثنائي الذي تمنحه وزارة الداخلية في إطار تعويضات الضريبة على القيمة المضافة (TVA).
في ظل هذا الوضع، يصبح اللوم في غير محله عندما يُحمّل المرشحون والمنتخبون المحليون مسؤولية تعثر التنمية بالكامل، فالكثير منهم يوزعون الوعود يميناً وشمالاً خلال الحملات الانتخابية، دون إدراك حقيقي أو اعتراف صريح بالعجز المالي البنيوي الذي تعاني منه الجماعة.
الخطير في الأمر أن هذه الوعود تتحول مع الوقت إلى مصدر احتقان شعبي ونقمة جماهيرية، و كره السياسة و للانتخابات و يساهم في العزوف الانتخابي , لأن المواطنين يشعرون بأنهم خُدعوا ، بينما الواقع يفرض أن تكون الحملات الانتخابية أكثر واقعية، وأن يتم تنوير الرأي العام بحقيقة اختصاصات الجماعة وحدود تدخلها.
رغم هذا الواقع الصعب، فإن بعض رؤساء الجماعات استطاعوا تجاوز الإكراهات بفضل امتلاكهم لشبكات علاقات قوية في “الرباط”، سواء مع وزارة الداخلية أو قطاعات وزارية أخرى. هؤلاء تمكنوا من جلب مشاريع مهيكلة لفائدة جماعاتهم، عبر الترافع والتفاوض وإقناع الجهات الوصية، وليس فقط بالاعتماد على ميزانية الجماعة.
ورغم كل هذه المعطيات، لا تتوقف الانتقادات اللاذعة الموجهة للجماعات المحلية، سواء من وسائل الإعلام أو من طرف المواطنين، وكأنها مؤسسات خارقة تملك كل المفاتيح ، والحقيقة أنها، في معظم الحالات، لا تمتلك حتى المفاتيح لتصليح مصباح كهربائي معطل في أحد الأزقة، فما بالك بمشاريع تنموية كبرى أو خلق فرص شغل.
ما تحتاجه الجماعات ليس فقط رفع ميزانياتها، بل إعادة النظر في نموذجها المالي والإداري، وتعزيز التنسيق بين المركز والجهات، وتوفير آليات دعم حقيقية تراعي خصوصية كل جماعة.
و خلاصة القول في اعتقادي الشخصي ، ان الانتقادات القوية التي يتعرض لها المنتخب او المترشح على الصعيد المحلي ، هو نتاج او انعكاس للوعود ” المضللة ” التي قدمها في حملته الانتخابية و هو متأكد أنه لن يستطيع تحقيقه وهو ما يدخل في إطار ” النصب ” على المواطنين ، وهذه هي تهمتهم التي يتلقون عليها الانتقادات ! .


Add a Comment