أمنوس . ما : ميمون عزو
في وقتٍ اعتاد فيه المواطنون على تقارير وشعارات المسؤولين حول “تهيئة المدينة” و“تجويد البنيات التحتية”، جاءت كلمات طفل لم يتجاوز بعدُ ست سنوات لتفضح، ببساطة وصدق بريء، واقعاً مرا يعيشه الناظوريون يومياً في شوارع مدينتهم.
فبينما كنتُ في طريقي إلى زيارة الزميل الحسين أمزريني، رفقة ابني الصغير، مررنا عبر الشارع الإداري بالناظور قرب المحكمة الإدارية، حيث تنتشر الحفر بشكل لافت للنظر. وفجأة، باغتني ابني بسؤال عفوي:
“علاش هاد الحفاري كاينين بزاف؟”.
سؤال بريء من طفل لا يعرف شيئًا عن السياسة، ولا عن التدبير المحلي، ولا عن الصفقات التي تُمنح هنا وهناك، ولا عن الشركات التي تكلفت بالأشغال، ولا عن دفاتر التحملات التي يفترض أن تضبط الجودة وتحمي المال العام.
وجدت نفسي عاجزاً عن الإجابة، محاولاً أن أقدم له جواباً مبسطاً:
“راه كيصاوبو الطريق.”
لكن سرعان ما ردّ عليّ، وبنبرة استغراب ممزوجة بالاستنكار:
“ديما كيصاوبو… عمرهم كملو!”
كانت صدمة صغيرة لكنها مؤلمة…
إذ كيف لبراءة طفل أن تُلخّص بعفوية ما لم تستطع التقارير والبلاغات الرسمية قوله؟
وكيف لكلماته الساذجة أن تعري واقعاً يعاني منه السكان منذ سنوات، دون حلول جذرية؟
الحفر، التزفيت المرقع، تمرير الأنابيب والخيوط، ثم العودة إلى البداية… أصبح ذلك ميزة ناظورية بامتياز. مشاريع تنطلق دون نهاية، وشوارع تفتح وتُعاد فتحها، وحفر تختفي ظاهرياً لتعود أسوأ مما كانت.
كيف سأقنع ابني أن الأشغال ستنتهي يوماً؟
وكيف أخبره أن الشارع سيتزين، وأن المسؤولين سيفون يوماً بوعودهم؟
وكيف أشرح له أن دفاتر التحملات موجودة فقط على الورق، وأن المواطن هو آخر ما يُفكّر فيه حين يتعلق الأمر بالجودة والشفافية؟
إن كلام الأطفال يصل بسرعة إلى القلب، لأنه بلا مصالح ولا حسابات ولا مجاملات. وما قاله ابني يختزل شعوراً عاماً لدى سكان الناظور، الذين سئموا الأشغال العشوائية والتأخر الدائم في إنهاء المشاريع، وغياب المراقبة الصارمة على الشركات المكلفة.
فهل نحتاج حقاً إلى لجنة تفتيش أو تقرير رسمي؟
أم يكفي أن نصغي قليلاً إلى سؤال طفل بريء ليكشف لنا الواقع كله؟
إنها صرخة براءة يجب أن تُسمع…
صرخة تلخص حكاية مدينة تبحث عن الانتهاء من “الحفاري” قبل أن تضيع الذاكرة وتكبر الأسئلة أكثر من اللازم.


Add a Comment