محمد بوتخريط . هولندا
– في الناظور لا توجد فقط بنايات آيلة للسقوط ، هناك كذلك شوارع قابلة للاندثار.
او حين نلمح البؤس في شارع محمد الخامس وكأنه جزء من هوية المكان!
وقعت عيناي وأنا أتصفح صفحات هذا الفضاء علی بعض الصور المُنشأة بالذكاء الاصطناعي او الرقمية الخيالية لعوالم سحرية لشارع قديم في المدينة ،هي في الاصل غير موجودة في الواقع…لكني لم أستطع أن أتخطاها قبل أن أتفاعل معها.. وحين انتهيت من تصفحها .. انتابني ميل للصمت.. احتجت بعد ذلك لمسافة أقف فيها متأملا هذا الشارع الطويل المديد الغني جداً بالذكريات…الموشوم في عقلنا باسم يدغدغ الذاكرة : شارع محمد الخامس ، متسائلا ..
– لما لا تكون هذه الصور حقيقية و ماذا ينقص لجعل هذه العوالم السحرية واقعا ملموسا؟.
هذا السؤال ليس مجرد استفهام عابر، بل هو صرخة وجع تصف واقعًا مزريًا لِأماكن اضحت اثراً جميلاً يروي قصصا عن ماضٍ ولّى..
وهذا الذكاء الاصطناعي الذي بات يولد صورا لعالمٍ موازٍ ،لا تُهَمَّشُ فيه الحقيقة دائما أو يعاد تشكيلها وفق أهواء صانعيها.. بل هي كذلك صرخة في وجه الاهمال و الخذلان و التجاهل ، صرخة قهر إلى مسؤولين غير مبالين ، اختزالٌ مكثف لحصيلة من الإخفاقات و تعبير عن رفض الفشل وسوء التدبير..
وكأن الناظوريين تطَبّعوا مع الفراغات وأزمات المجالس المتناسلة، فاعتادوا أن يعيشوا حياتهم بشكل شبه طبيعي ، بلغوا مرحلة الملل من وعود المسؤولين الزائفة وصمت النواب الغائبين .. والوعود الزائفة طبعا لم تكن يوما من شيم المسؤولين الناجحين ، و سيظل هؤلاء على هامش التاريخ طالما أنهم يواجهون واقعا سيئا بمواقف سلبية وصمت فاتل ليزداد الواقع سوءا، ناسين او متناسين انهم لو قابلوه بمواقف وخطوات إيجابية لكان أحسن أو نقص سوؤه على الأقل..!
شارع محمد الخامس و النخيل الميت
حين سمعتهم في المدينة يتحدثون عن هدم المباني الايلة للسقوط ، تقاذفت اسئلة كثيرة إلى رأسي مثل قطيع يندفع نحوي محاولا افتراسي…تساءلت ربما متطفلا او معاتبا، كما اعتدت أن أفعل في مثل هذه المواقف: لماذا هي فقط المباني؟ ..
اليست الشوارع هي الاخرى قابلة للاندثار ووجب اصلاحها!؟.
وذاك الشارع الذي في بالي ، الموشوم في عقلنا باسم يدغدغ الذاكرة : شارع محمد الخامس وصل إلى مرحلة متقدمة من التهالك ..مهترئ ويكاد ينهار تماماً او لنقل ، الشارع مثل تلك المباني اياها ، هو الاخر، آيل للاندثار…واشجاره آيلة للسقوط..الا يستدعي هذا الشارع هو الاخر التدخل العاجل لإعادة تأهيله وتفادي ما يمكن تفاديه من الخسائر قبل فوات الاوان .؟
كم تسائلت وربما بغباء..هل مدينة الناظور مدينة إستوائية أم تقع جنوب الصحراء ؟!
ومن زرع أشجار النخيل في مدينة الناظور ؟ فهي لا توفر حتى الظل الكافي للعابرين والمارة مقارنة بالأشجار الأخرى.
قيل لي ذات يوم ان الامر يندرج ضمن توجهات تجميلية وبيئية بل و تاريخية كذلك! . ونحن نعلم جيدا أن زراعة النخيل في المدن الساحلية مثل الناظور ذات المناخ المتوسطي الرطب ليس الأنسب ابدا، لأن النخيل – ببساطة- يزدهر في المناخات الصحراوية الجافة، والمضحك جدا انه وغالباً ما يتم استيراد أنواع نخيل لا تتأقلم جيداً مع الرطوبة التي يعرفها الناظور ، مما يؤدي بالتالي إلى موته.
البؤس جزء من هوية المكان.
و ليس المشهد استثناءً…فمن يتجول اليوم في شارع محمد الخامس، يلمح البؤس وكأنه جزء من هوية المكان ، أشجار النخيل المعمرة فيه آيلة للسقوط ، بل و تشكل خطراً كبيراً على المارة ، خصوصا وأن بعضاً من هذه الأشجار في أوضاع حرجة..جدا.
تذكرت آخر مرة سرت فيه في هذا الشارع ..بدا الشارع من حولي كتمثال غير قادر على الحركة أو الشعور، وكأن الحياة تسحب نفسها منه شيئا فشيئا في هدوء تام لا يخلف أثرا يذكر…
ممرات باهتة اللون تشهد على سنين من اللامبالاة والإهمال، وطرقات امتلأت بالحفر حتى بدت كخرائط لزمن ممزق.
هذا الشارع الذي كان يوما ما ملتقى تجارة وادارة وسياحة وعبور، يحمل بين أشجاره المتبقية اليوم آثار الحروب السياسية المتعاقبة، إسفلت وكانه مثقوب برصاص قديم، اشجار يابسة نصفها قائم ونصفها أطلال، مقاهي فقدت ضجيج الرواد والمارة.. حتى الأرصفة بدت كأنها تئن تحت أقدام العابرين.
حين تتجول هناك، ترى الأرواح التي لم تغادر بعد، أشباح حياة كانت هناك، قبل أن يلتهمها الفراغ، ويقذف أهلها في دوامة الفقر والخذلان…وقوارب الانتظار..
النقطة الأخيرة قبل أن أختم بإطلالتين..
الاولى ، عندما أطل من نافذة المقهى هنا أستطيع أن أرى أشجار “امستردام” و أضوائها التي لا تنطفئ ، والغيوم تسير فوقها بلطف..مما يخلق توهجًا لطيفًا على وجهها مع تدرج ناعم للإضاءة..
لكن عقلي يكون في مكان آخر…اتذكر حين أطل من نافذة مقهى “عالوش” الى الشارع اياه لا ارى غير اشجار مائلة آيلة للسقوط..! وأسلاك كهربائية عارية تتدلى من أعمدة مهترئة، وطرقات امتلأت بالحفر حتى بدت كخرائط لزمن ممزق.
وانا و…الحنين يقودني إلى التوقف في هذا الشارع العريق الذي يستغيث في صمت وسط قلب المدينة!، لا يزال يتجرع مرارة التهميش والنسيان.. آيلة اشجاره للسقوط وآيل هو للاندثار…!
خلاصة المشهد:
ما يخيف في الشارع اليوم، ليس حاضره المثقل بالدمار، بل مستقبله المهدد بالفراغ ، إذا استمر هذا الانحدار.
فالشارع ليس مجرد ممرات وطرق ومقاهي واشجار نخيل.. بل ذاكرة نابضة بالحياة!

Add a Comment