أسماء وأسئلة:إعداد وتقديم رضوان بن شيكار
تقف هذه السلسلة من الحوارات كل اسبوع مع مبدع اوفنان اوفاعل في احدى المجالات الحيوية في اسئلة سريعة ومقتضبة حول انشغالاته وجديد انتاجه وبعض الجوانب المتعلقة بشخصيته وعوالمه الخاصة.
ضيفة حلقة الأسبوع الكاتب علي بلجراف
1.كيف تعرف نفسك للقراءفي سطرين؟
علي بلجراف (والاسم العائلي الحقيقي هو بجراف والتحريف أو التحوير من إدارة الحالة المدنية) متقاعد من الوظيفة العمومية بعد تدرج في العمل من التدريس (مادة الفلسفة) إلى الاشراف التربوي، الذي يسمى رسميا التفتيش التربوي، إلى رئاسة مصلحة الشؤون التربوية بالمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالناظور.
2.ما ذا تقرأ الآن وما هو أجمل كتاب قرأته؟
أقرأ أشياء متعددة في نفس الوقت. وهذه عادتي في القراءة منذ زمان. في محفظتي الآن كتاب “الأنتروبولوجيا البنيوية” ل “ليفي ستروس” أعيد قراءته للمرة الثالثة على الأقل إلى جانب كتاب آخر لصاحبه عبد الكبير الخطيبي بعنوان “المناضل الطبقي على الطريقة التاوية “( شعر)، ترجمة ، كاظم جهاد. ، كما أقرأ بشكل متزامن كتبا في الفلسفة حملتها من الأنترنيت. لا أركز في القراءة على كتاب واحد أو كاتب واحد إلا لغرض محدد، كأن يكون الهدف إنجاز دراسة حول الكتاب أو الكاتب. عدا ذلك، أنوع قراأتي بما يجعلها تشمل الفنون والفلسفة والاجتماع والسياسة وبعض التدوينات على الأنترنيت أيضا لأن الزمن المعاصر هو أيضا زمن الأنترنيت. كما أنني لا أكتفي بالقراءة، بل أمارس الاستماع أيضا في إطار التنويع، خاصة وأن التكنولوجيات الجديدة للاتصال في ظل الثورة الرقمية المعاصرة، تتيح لنا اليوم سماع أصوات لم نكن نتمكن من سماعها في القرن الماضي رغم إعجابنا بها صوتا وصورة. أقصد بطبيعة الحال أصوات فلاسفة وأدباء ومفكرين في مختلف مجالات علوم الإنسان.
لا أستطيع أن أحدد أجمل كتاب قرأته. فأنا لا أنظر إلى الكتب انطلاقا من معيار الجمال، رغم قيمة وأهمية هذ المعيار. كل ما أستطيع قوله، جوابا عن هذا السؤال، إن هناك نوعا من الإغراء أو الإغواء أو الافتتان Séduction تجعلني أنجذب نحو كتب محددة دون أخرى، ونحو كتاب دون آخرين. والتعدد هنا، يحيل على الوحدة في الأصل والمنطلق. ذلك، لأننا، كما يعلمنا التحليل النفسي، نحب نفس الوجه حتى وإن أحببنا وجوها متعددة. (ههههه) لكن، ما هو هذا الوجه الأول؟ هل هو وجه الأم؟ بعبارة أخرى، ما هو الكتاب الأول الذي نعجب به ونتعلق به لدرجة أننا نراه ونتعقبه في كتب متعددة؟ ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال. غير أن الحكاية، كل الحكاية، تكمن في هذه الصعوبة ذاتها.
3.متى بدأت الكتابة؟ ولماذا تكتب
أولا ينبغي أن أقول، بداية، إنني لا أعتبر نفسي كاتبا بالمعنى المتعارف عليه. لا أقول هذا بدافع تواضع “منافق”، بل لأنني لست كذلك في الواقع. لذلك ستكون إجابتي عن هاتين المسألتين المهمتين على هامش مسألة البداية وعلى هامش مسألة الكتابة. لكن الهامش الذي أقصده أريده يقظا وطموحا. وبالمناسبة، فما أصعب التموقع على الهامش، وما أصعب الإجابة عن أسئلتك من موقع الهامش، وذلك لسببين على الأقل: الأول هو التمثل الذي نحمله حول ما هو هامش وما هو هامشي. فالهامش يحيل في تمثلاتنا على ما هو ثانوي، زائد، إضافي، تكميلي، مقارنة مع المركز، المتن… والسبب الثاني هو أن الهامش الذي يريد نفسه يقظا، تقع عليه مسؤولية كبرى هي مسؤولية تفكير المركز وزحزحته ومساءلته. ولكيلا أستفيض في هذا الموضوع، أكتفي بالإشارة إلى أن مفكرين كثيرين في مختلف مجالات الفكر والأدب والفن اعتبروا هامشيين في أزمنتهم، لكنهم تحولوا فيما بعد إلى مراكز، بل مدارس حقيقية في الفكر والمنهج.
شخصيا، بدأت الكتابة، خارج المدرسة، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي. أحدد هنا، “خارج المدرسة”، لأن الكتابة تتم اول ما تتم تكون داخل مؤسسة المدرسة في البداية بالنسبة، لكل من هم كتاب اليوم. وأنا في مرحلة التعليم الإعدادي، لم أكن أفهم لماذا كان أساتذة اللغة العربية يشيدون بالإنشاأت التي كنت أكتبها، رغم أني لم أكن أبذل في كتابتها مجهودا كبيرا. لكن الانتشاء الأكبر كان عندما نشر لي “إنشاء”/مقال بجريدة “البيان” حول معاناة تلاميذ البادية الريفية غير الداخليين، وأنا واحد منهم طبعا، في مدينة الناظور. (كنا آنذاك ثلة من التلاميذ نقوم بما كان يسمى آنذاك البيع النضالي لجريدة “البيان” في إطار شبيبة حزب التقدم والاشتراكية). وللعلم، فإن كل الناجحين في امتحان شهادة التعليم الابتدائي في إقليم الناظور بكامله، في ذلك الوقت، أي الناظور والدريوش حاليا، كانوا يلتحقون بمدينة الناظور إن هم أرادوا مواصلة تعليمهم في الثانوي الإعدادي والتأهيلي. غير أن الكتابة المنتظمة أو “العالمة” في الملاحق الثقافية ثم التربوية في مختلف الصحف الوطنية والمجلات من خارج المغرب، قد انطلقت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي ولا زالت متواصلة إلى اليوم.
أما عن السؤال: لماذا تكتب؟ فيمكن أن أقدم بعض العناصر، هي في الواقع، تصورات عامة أشاطرها حول معنى الكتابة، أكثر مما إجابة مباشرة عن السؤال المطروح. أنا أكتب ليس من أجل توصيل أو إيصال رسالة. الرسالات كلف الله بها رسله. أنا أكتب فقط لإسماع صوت/أصوات تعتمل بداخلي وتفرض علي نفسها كرد فعل ربما ضد أصوات أخرى مغايرة لا تعجبني. قد تبدو المسألة ذاتية لكن هذا لا يعني أن القضية شخصية صرفة وأن الرهان ذاتي محض. ذلك، لأن الكتابة الحقيقية هي تلك التي ترفع المشترك الشخصي إلى مستوى القضية الكونية، وإلا فإنها لا تستحق اسمها وصفتها. قلت إن الكتابة عندي تفرض نفسها كفعل ضروري من أجل إعطاء الكلمة للآخرين أو من أجل الكلام باسم من لا يتكلمون، ليس لأنهم لا يملكون القوة الخطابية، بل لأنهم أسكتوا بالقوة. غير أن الأمر لا يتعلق بمجرد أصوات متعددة كما لو كنا في نوع من “بابلون”، بل يتعلق الأمر بتصارع قوى وسلطات. في هذا السياق، تحضرني فكرة معبرة للفيلسوف “جاك دريدا” مفادها أن “كل كتابة تتأسس على مقاومات ولا توجد كتابة إلا حيث توجد مقاومة في صورة كبت أو قمع”. بهذا المعنى، فإن الكتابة فعل مزدوج. فأن أكتب، معناه أن أحرر قوى للكتابة غير مسموعة وغير مسبوقة. غير أن هذا التحرير ذاته لا يتم إلا من خلال إنشاء حواجز ومقاومات أخرى بمثابة بنيات تشتغل من أجل حماية التجاوز والعبور أو التخطي المطلوب تحقيقه (Transgression) فما أن يتم تجاوز عقبة ما أو حاجز ما، حتى ينشأ وينتصب آخر في الطريق. معنى هذا أن للكتابة حساباتها ses calculs كما يقول “دريدا”. ومن حسابات الكتابة عندي شخصيا مراوغة القوى ذات السلطة القمعية على الفكر وعلى التفكير. لذلك، فإن الكتابة تنتصب كمتعة وكضرورة في نفس الوقت لمجاهدة ما هو واقع.
4.ما هي المدينة التي تسكنك ويجتاحك الحنين إلى التسكع في أزقتها وبين دروبها؟
ولدت وعشت طفولتي الأولى، أي قبل الالتحاق بالتعليم الثانوي، في دوار رهوانة “إرهوانن” أما الاسم المعروف الذي يجمع دواوير البلدة كلها هو “إِثْرانْ” أو “إثرارن” “طرارا”Trara بالنطق الإسباني والقبيلة الجامعة هي بني شيكر “آثْشِيشَارْ”. بما أن الولادة والطفولة كانتا بالبادية، فإن أول مدينة اكتشفتها هي مليلية المحتلة. لم تخل هذه العلاقة الأولى من دهشة ومن انبهار موشومين في الذاكرة. في هذه المدينة جربنا، أنا وأبناء جيلي، الكثير مما يمكن أن يندرج ضمن شغب وتسكع الطفولة ومتع الحياة بعد ذلك لكن هذا كله حدث في سن مبكر. بعد مليلية تعلمت العيش المشترك في مدينتين أخريين هما على التوالي الناظور وفاس. وإذا كان الحنين إلى الناظور غير موجود لأنها مدينة الإقامة والاستقرار، فإن فاس تظل هي مدينة أحلام وذكريات مرحلة الشباب.
5.هل أنت راض على إنتاجاتك وما هي أعمالك المقبلة؟
أولا، الرضا مسألة نسبية، لذلك فبما أن إنتاجاتي غير منتهية، فأنا على طريق الرضا ولست في قمته ولا أتصور كاتبا في هذه القمة. ثانيا، وعلاقة بمسألة الرضا، ينتابني إحساس بضرورة الاعتذار للمتلقي. وقد يبدو هذا الإحساس منافيا للرضا. والحال أن الأمر ليس كذلك. لأن الكتابة هي في العمق نوع من التعري أمام الملأ أو من “قلة حياء” يوجب الاعتذار الدائم للمتلقي. هي إذن مسألة عادية وطبيعية. لقد تحدث فرويد عما يسمى “أحلام الطفل العاري”. فالواحد منا يحلم أنه يتجول عاريا ثم يستيقظ مذعورا معتقدا أن الآخرين يرون سوأته. لكن، ثمة سببا آخر يوجب الاعتذار للمتلقي آت من الكتابة بما هي “أثر” أو من “الأثر” الذي تخلفه الكتابة. أن تخلف الكتابة أثرا، معناه أنها تنتهك خصوصية وتفرد المتلقي. فبمجرد أن تصبح العبارة مكتوبة في لغة محددة وقابلة للقراءة، أي بمجرد أن تصبح أثرا قابلا للفرز والفك، حتى وإن كانت هذه العبارة موجهة لشخص محدد تخصه هو وحده، مثل عبارة “أحبك” الحميمية، فإن ذلك يؤدي إلى فقدان خصوصية وحميمية وتفرد المرسل إليه أو المرسل إليها. إن الكاتب بمجرد أن يكتب، فإنه ينفي، بل يجرح أيضا، هوية وخصوصية وتفرد المرسل إليه. ذلك، لأن المكتوب يتعمم حتى وإن كان موجها بشكل خاص إلى هذا الشخص أو ذاك تحديدا، ويصبح في مرمى العموم. بهذا المعنى، فإن الكتابة خيانة، تستوجب الاعتذار عن “الإثم” الملازم والناتج عن كون الكاتب يكتب ويوقع باسمه. كل هذا يؤكد إذن مسألة نسبية الرضا عن المنجز الكتابي، لكن بالمعنى الأخلاقي العام.
أما بخصوص المشاريع المستقبلية فأنا في انتظار صدور كتاب حول “مشروع قراءة محمد شحرور للذكر: منطلقات وآفاق”، وآخر حول “النقد والاستباق في الفلسفة: قضايا في الاختلاف والتقنية”. وضمن المشاريع أيضا كتاب حول “المضمون الاجتماعي والرمزي لعادات وطقوس الزواج في الريف المغربي”، وهو تطوير لبحثي الأصلي لنيل الإجازة في علم الاجتماع الذي أنجزته تحت إشراف أستاذي الدكتور بوزيان بوشنفاتي رحمه الله.
6.متى ستحرق أوراقك الإبداعية وتعتزل الكتابة؟
لا أتصور أنني سأقوم بعمل يشبه العمل الذي قام به “طارق” الذي لم يفتح الأندلس (هذه العبارة مستعارة وليست لي) عندما أحرق مراكبه لكي يكون هو وأصحابه أمام خيار وحيد هو المواجهة والقتال. أشرت في إجابة عن سؤال سابق إلى أنني أكتب لإسماع صوت ضد صوت أو أصوات مهيمنة ومستبدة. فأنا لا أدعي غزو ولا فتح أي قارة، فكل القارات صارت اليوم مفتوحة. وأتصور أن الكتابة، كل الكتابة، هي هكذا. لكن، هناك دائما “شيء من حتى”، كما يقال. فعلى خلاف الكتابة الإبداعية التي تتيح إمكانيات متعددة للبيان والتبيين وأيضا للالتفاف على الحواجز والعراقيل المنتصبة في الطريق، فإن طبيعة الكتابة التي أمارسها، حتى وإن زعمت أنها تتحدث من موقع الحقيقة (الفلسفية و/أو العلمية)، فإنها لا تستطيع الفكاك من ضرب من “السجال”، صراحة أو ضمنا مع تلك الأصوات المهيمنة والمستبدة. ذلك، لأن عمل النقد الفلسفي غالبا ما يتم تلقيه كعمل مقلق ومزعزع بالنسبة للآخرين، بل وجارح أيضا في بعض الأحيان، تجاه مفكرين مرموقين وتجاه مؤسسات وسلطات متعددة. لعل هذا ما يجعلني أعيش أحيانا لحظات من الذعر بسبب ما أحس، داخليا، أنه تطاول مني تجاه أنماط مختلفة من السلطة: نصية كانت أو شخصية أو مؤسسية. يحذرني إحساسي ذاك من مغبة ما أكتبه ويدعوني إلى إيقاف ما أكون بصدد كتابته وإلى إحراق أوراقي. لكن الغريب أن هذا الإحساس يشتغل فقط في لحظات أكون فيها بين اليقظة والنوم، إذ بمجرد عودة الوعي يعود الإصرار على الاستمرار. إذن، بما أن الكتابة حاجة حيوية وضرورة، فمن الصعب التوقف عن ممارستها. فقد تحرق أوراق الكاتب، وقد أحرقت أوراق كتاب فعلا، لكن الكاتب لا يحرق أوراقه بنفسه.
7.ما هو العمل الذي تمنيت أن تكون كاتبه؟ وهل لك طقوس خاصة للكتابة؟
لا توجد عندي هذه الأمنية لسببين رئيسيين بسيطين. الأول هو أنها أمنية مستحيلة. ذلك، لأن لا أحد يستطيع الكتابة مكان الآخر. بعبارة أخرى، كل كتابة تحمل بصمة شخصية متميزة ومتفردة. كل كتابة هي اختلاف حتى وإن تغيت والتمست المطابقة والتطابق. والسبب الثاني هو أنني لا أجد ما يحول دون تمكني من كتابة ما قد أتمناه في كتابات الآخرين. بعبارة أخرى، بإمكان أي كاتب أن يلتقط ما يغويه من كتابات الآخرين ويستعمله لحسابه الخاص وبطريقته الخاصة. ذلك، لأن كل كتابة هي في العمق تناص، أي تداخل وتعالق بين نصوص متعددة ومختلفة.
أنا أومن بمسألة الطقوس في الكتابة. لا توجد كتابة في نظري خارج طقوس محددة. قد تتشابه طقوس الكتابة وقد تختلف من كاتب لآخر. يدخل المكان ضمن طقوس الكتابة بالنسبة لي. الحيز المكاني الأقل صخبا في المقهى هو مكاني المفضل للكتابة. وقبل أن تأخذ المادة المكتوبة شكلها النهائي عندي (ها بإمكانها أن تأخذ شكلا نهائيا؟) تكون عبارة عن كتابة شذرية (عناصر متفرقة). لقد صار الحاسوب اليوم أداة ممتازة تيسر عمل الكتابة. أقول هذا لأنني مارست الكتابة قبل انتشار الحاسوب وبعده وعانيت من قسوة الكتابة في مرحلة ما قبل جهاز الحاسوب. ثمة مسألة أعاني منها في الكتابة هي صعوبة استقرار النص المكتوب عندي على حال نهائي. فكلما أعدت قراءة نص مكتوب من نصوصي إلا وعدلت فيه أشياء، حتى وإن تكررت إعادة القراءة مرات عديدة.

Add a Comment