أمنوس.ما : متابعة
تشهد الساحة السياسية بعمالة وجدة-أنجاد حركية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز صراع النفوذ بين حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، في سياق الاستعداد المبكر للاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026. ويبدو أن هذه الدينامية الجديدة بدأت تعيد ترتيب الأوراق داخل الخريطة الحزبية المحلية، في ظل ما يشبه “هجرة جماعية” لمنتخبين من “البام” نحو حزب الاستقلال.
في تطور لافت، نجح عمر حجيرة كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، في استقطاب عدد من رؤساء الجماعات ومنتخبين كانوا إلى وقت قريب محسوبين على حزب الأصالة والمعاصرة، وذلك خلال لقاء غير رسمي نظم على هامش مأدبة عشاء. اللقاء الذي حضرته أسماء وازنة من جماعات بني درار وسيدي بولنوار ومستفركي، إلى جانب وجوه من بني خالد، اعتبر مؤشرا قويا على تحول في الولاءات السياسية بالمنطقة. وتندرج هذه التحركات، بحسب متتبعين ضمن استراتيجية مدروسة لحزب الاستقلال تهدف إلى تعزيز حضوره الترابي، مستفيدا من موقعه داخل الحكومة، ومن دينامية عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها وزارة التجهيز والماء التي تشكل مشاريعها أداة تأثير سياسي واضحة في الأقاليم.
في المقابل، يعيش حزب الأصالة والمعاصرة بوجدة وضعا تنظيميا دقيقا، يتسم بتراجع في الجاذبية السياسية وفقدان تدريجي لعدد من أطره ومنتخبيه. ويرى فاعلون محليون أن هذا التراجع يعود إلى عوامل متعددة، من بينها ما يوصف بالتشبث المفرط بالزعامة على المستوى الإقليمي، وغياب رؤية تنظيمية واضحة بعيدة المدى.
كما أن تعويض عدد من القيادات المغادرة بوجوه جديدة تفتقر إلى الخبرة والتأثير، ساهم في إضعاف صورة الحزب لدى الرأي العام المحلي، خاصة في العالم القروي الذي شهد نزيفا انتخابيا ملحوظا نحو أحزاب منافسة، وفي مقدمتها حزب الاستقلال.
ورغم احتفاظ “البام” برئاسة مجلس جهة الشرق ومجلس عمالة وجدة-أنجاد، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لضمان تماسك قاعدته، في ظل تصاعد الانتقادات لأسلوب التدبير الداخلي، الذي يتهم بتكريس الفردانية وإضعاف آليات التنسيق.
في محاولة لاحتواء تداعيات التحركات الأخيرة، عقد محمد بوعرورو رئيس مجلس جهة الشرق، اجتماعا وصف بالمرتبك، حمل مؤشرات واضحة على عمق الأزمة داخل الحزب. اللقاء الذي لم يحضره سوى عدد محدود من الأعضاء، بدا كأنه رد فعل متأخر على نجاح لقاء حجيرة، أكثر منه محطة تنظيمية قوية.
الاجتماع خلص إلى تشكيل لجنة لتسيير شؤون الأمانة الإقليمية دون تعيين رئيس لها، في خطوة أثارت تساؤلات حول خلفيات هذا الفراغ القيادي، كما كشف عن صراع داخلي حول التزكيات البرلمانية في ظل تنافس بين أسماء بارزة داخل الحزب.
غياب عدد من الأعضاء، خاصة أولئك الذين حضروا عشاء حجيرة أو الذين باتوا يميلون إلى أحزاب أخرى زاد من تعقيد المشهد، وعكس حجم التصدعات الداخلية. كما أثار اختيار منزل رئيس الجهة كمكان للاجتماع جدلا واسعا، حيث اعتبر دليلا على شخصنة القرار الحزبي وتضييق دائرة المشاركة.
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تبدو وجدة على موعد مع تحولات سياسية عميقة، قد تعيد رسم موازين القوى بين الأحزاب. فبين دينامية الاستقطاب التي يقودها حزب الاستقلال، وحالة الارتباك التي يعيشها حزب الأصالة والمعاصرة، تبرز تساؤلات حقيقية حول قدرة الأحزاب على الحفاظ على قواعدها الانتخابية في ظل تصاعد ظاهرة “الهجرة الحزبية”.
في المحصلة، لا يبدو أن ما يجري مجرد تحركات معزولة، بل هو جزء من معركة سياسية مبكرة، عنوانها إعادة توزيع النفوذ وبناء تحالفات جديدة، في أفق استحقاقات 2026 التي تنذر بأن تكون واحدة من أكثر المحطات الانتخابية تنافسية في تاريخ المنطقة.

Add a Comment