أمنوس.ما : محمد الحدوشي
في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في مقاربة التواصل المؤسساتي، يشارك كل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة في الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، عبر رواق مشترك يحمل شعارًا دالًا: “القضاء في خدمة المواطن”، وهو اختيار ليس اعتباطيًا، بل يعكس إرادة واضحة في تقريب العدالة من المتقاضي والانفتاح على محيطها المجتمعي.
هذا الحضور لا يندرج ضمن مشاركة شكلية، بل يتأسس على برنامج تواصلي مكثف يجمع بين البعد الكمي من حيث تنوع وغزارة الأنشطة، والبعد النوعي من خلال راهنية المواضيع المطروحة وعمقها القانوني والمؤسساتي، بما يجعل من هذا الرواق فضاءً حقيقيًا للنقاش العمومي حول قضايا العدالة.
فمن حيث البعد الكمي، يكشف البرنامج الرسمي عن سلسلة متواصلة من الندوات والجلسات العلمية التي تمتد على مدى أيام المعرض، وتؤطرها نخبة من المسؤولين القضائيين والقضاة والخبراء، حيث تم تخصيص الجلسة الافتتاحية لعرض حصيلة ومنجزات سنة 2025، سواء على مستوى المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو رئاسة النيابة العامة أو المعهد العالي للقضاء، إضافة إلى حصيلة المفتشية العامة للشؤون القضائية ، وهو ما يعكس توجهًا نحو ترسيخ مبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما على المستوى النوعي، فإن غنى المواضيع المطروحة يعكس وعيًا عميقًا بتحولات العدالة ورهاناتها الراهنة، حيث يتناول البرنامج قضايا استراتيجية تمس صلب الأمن القانوني والقضائي، من قبيل:
* القضاء والاستثمار، من خلال تسليط الضوء على حماية المستثمر وحكامة القضاء التجاري؛
* الأمن العقاري، باعتباره ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؛
* تخليق الحياة العامة، عبر آليات مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة؛
* القضاء والتحولات الرقمية، بما في ذلك الأمن السيبراني وتنزيل الرقمنة داخل المنظومة القضائية؛
* حماية الحقوق والحريات، خاصة من خلال دور القضاء الإداري؛
* حماية الفئات الهشة، وعلى رأسها الطفل؛
* إضافة إلى نقاش مستجدات العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبة .
ولا يقف البرنامج عند حدود القضايا التقنية، بل ينفتح كذلك على رهانات مجتمعية وقيمية، من خلال مائدة مستديرة حول المرأة والقضاء، بما يعكس انخراط المؤسسة القضائية في قضايا المساواة والتمكين، إلى جانب إبراز دور القضاء في تعزيز الثقة في المؤسسات.
إن هذا التنوع في المحاور، كما يظهر بوضوح في تفاصيل البرنامج الممتد عبر جلسات متعددة (من 1 إلى 9 ماي)، والتي تتوزع بين الأمن الاقتصادي، والعدالة الرقمية، والقضاء الإداري، والحماية الاجتماعية والقضائية، يعكس تصورًا متكاملًا لوظيفة القضاء، لم تعد تقتصر على الفصل في النزاعات، بل تمتد لتشمل الإسهام في التنمية، وضمان الأمن القانوني، وتأطير التحولات الكبرى التي يعرفها المجتمع .
كما يشكل عرض الإصدارات القانونية والمؤلفات القضائية ضمن الرواق إضافة نوعية، تكرس البعد المعرفي للعدالة، وتفتح المجال أمام الباحثين والطلبة للاطلاع على الإنتاج العلمي للقضاة والمؤسسات القضائية، بما يعزز الثقافة القانونية لدى العموم.
وخلاصة القول، إن البرنامج التواصلي المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة لا يمثل مجرد مشاركة في تظاهرة ثقافية، بل يجسد تحولًا استراتيجيًا نحو عدالة منفتحة، تواصلية، وقريبة من المواطن. وهو توجه من شأنه أن يعزز الثقة في المؤسسة القضائية، ويكرس دورها كفاعل محوري في بناء دولة الحق والقانون، في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى قضاء فعال، شفاف، ومواكب للتحولات البرنامج الكامل
الرئيسية
القضاء ينفتح على المواطن من قلب المعرض الدولي للكتاب… برنامج تواصلي غير مسبوق يؤسس لعدالة القرب
2 ماي 2026 - 12:25
مقالات ذات صلة
Comments











Add a Comment