أمنوس . ما : محمد شعو
في خطوة تصعيدية قد تشعل فتيل أزمة جديدة في قطاع التعليم العالي، أعلنت ثلاث من أبرز التنظيمات الطلابية في المغرب رفضها القاطع لمشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. التنظيمات، وهي اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة، والتنسيقية الوطنية للطلبة المهندسين، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، حذرت من تداعيات المشروع على الجامعة العمومية، ولوحت بإضرابات وأشكال احتجاجية ميدانية مع بداية الدخول الجامعي المقبل.
في بيان مشترك صادر يوم 27 غشت، تابعت هذه الهيئات بقلق شديد إحالة المشروع على المجلس الحكومي “في سباق محموم”، معتبرة أن المقاربة الأحادية التي اعتمدتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تتناقض مع مبادئ الدستور المغربي لعام 2011، الذي يكرس حرية التعبير والتنظيم والعمل الجمعوي. وأكد البيان أن حذف المواد 71 و72 و73 من القانون السابق رقم 01.00 الصادر عام 2000 يمثل “تراجعاً خطيراً” عن مكتسبات دستورية، حيث كانت هذه المواد تضمن للطلبة حق التنظيم داخل مؤسساتهم الجامعية وتدبير شؤونهم عبر هيئات تمثيلية مثل الجمعيات والمجالس والمكاتب الطلابية.
وأشار البيان إلى تناقض واضح مع اتفاق سابق وقعته الوزارة قبل أقل من سنة مع ممثلي طلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة، حيث اعترفت بشرعية هذه التمثيليات ودعت إلى دمجها في الأنظمة الداخلية للكليات كخطوة نحو تعزيز المقاربة التشاركية. “إذا كان هذا النموذج يمثل التوجه العام، فإن المنطق يقتضي تعميمه على جميع المؤسسات، لا محاولة دفنه وطمس ملامحه”، يقول البيان، الذي اعتبر محاولة تمرير المشروع خلال العطلة الصيفية “تغييباً متعمداً” للتمثيليات الطلابية والمجالس البيداغوجية من النقاش العمومي.
من جانب آخر، حذرت التنظيمات من أن المشروع يفتح “ثغرات قانونية” أمام خوصصة التعليم العالي، مما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص والحق الدستوري في مجانية التعليم. “هذا التوجه يحول الجامعة من مؤسسة أكاديمية ذات رسالة علمية وإنسانية إلى مقاولة تجارية محكومة بالمنطق الربحي”، يؤكد البيان، مشدداً على أن ذلك سيؤثر سلباً على الفئات الاجتماعية غير القادرة على تحمل التكاليف المادية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
رغم هذا الرفض الواسع، صادق مجلس الحكومة يوم أمس الخميس 28 غشت على المشروع، معتبراً إياه خطوة نحو إعادة هيكلة القطاع وتعزيز استقلالية الجامعات وانسجام الخدمة العمومية. وأوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن المراجعة تأتي بعد ربع قرن على آخر تعديل، وتهدف إلى تعزيز دور التعليم العالي في التنمية الوطنية، مستنداً إلى القانون الإطار 51.17. غير أن التنظيمات الطلابية نفت أن يكون المشروع إصلاحياً حقيقياً، معتبرة إياه “متسرعاً” وغير مشارك.
في سياق التصعيد، أعلنت الهيئات الطلابية عزمها مراسلة الوزارة ورئاسة الحكومة للمطالبة بحوار جاد، مع الاستعداد الكامل للإضرابات والاحتجاجات حسب خصوصيات كل كلية أو مؤسسة. “التمثيليات الطلابية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للدفاع عن الحقوق وتجويد الحياة الجامعية”، يقول البيان، داعياً جميع مكونات الجامعة – طلبة وأساتذة وموظفين – إلى الاصطفاف المشترك للدفاع عن الجامعة العمومية كرافعة للعدالة الاجتماعية.
هذا الرفض ينذر بموسم جامعي ساخن، حيث يمكن أن يؤدي التوتر إلى تعطيل الدراسة في عدة جامعات. وتحمل التنظيمات الوزارة مسؤولية أي احتقان، مطالبة بمراجعة شاملة للمشروع لضمان احترام الحقوق الدستورية وإشراك الطلبة في صنع القرار. مع اقتراب الدخول الجامعي، يبقى السؤال: هل سيفتح الحوار أبوابه أم ستصبح الشوارع ساحة المواجهة؟
Add a Comment