أمنوس.ما : فاطمة الزهراء الحجامي
اختتمت بنجاح كبير فعاليات الندوة الوطنية التي احتضنتها الكلية متعددة التخصصات بالناظور يوم السبت 7 فبراير 2026، والتي تمحورت حول موضوع «حق الولوج إلى العدالة بالمغرب: رهانات التفعيل والنجاعة». وشكلت الندوة، التي نظمت بشراكة واسعة بين فاعلين قضائيين وأكاديميين وحقوقيين، منصة فكرية وعملية لتبادل الرؤى حول أحد أهم الحقوق الدستورية، وسبل الانتقال به من النص القانوني إلى واقع ملموس يعزز ثقة المواطن في منظومة العدالة.
شهدت الندوة حضورا لافتا من أساتذة جامعيين وقضاة ومحامين ومهتمين وباحثين بسلك الدكتوراه وطلبة، مما أثرى النقاشات وساهم في الخروج بتصورات وتوصيات هامة من شأنها أن تضيء مسار الإصلاحات الجارية في قطاع العدالة.
افتتحت أشغال الندوة بكلمات قوية من ممثلي الجهات المنظمة، حيث أجمع المتحدثون على الأهمية القصوى لموضوع الندوة في السياق الوطني الحالي. وقد سير هذه الجلسة الافتتاحية الأستاذ المصطفى قريشي، منسق ماستر المنازعات القانونية والقضائية والذكاء الاصطناعي.
السيد نائب عميد الكلية متعددة التخصصات في كلمته رحب بالحضور، مؤكدا على الدور المحوري للمؤسسات الجامعية في مواكبة النقاشات المجتمعية الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بسيادة القانون.
وشدد السيد رئيس المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب في كلمته على انخراط القضاة في ورش إصلاح العدالة، وسعيهم الدائم لتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات.
كما أبرز نقيب هيئة المحامين بالناظور والحسيمة دور المحاماة كشريك أساسي في تحقيق العدالة، والتحديات التي تواجه المحامين في سبيل ضمان ولوج فعال وميسر للمتقاضين إلى حقوقهم.
فيما أكد رئيس منتدى أنوال للتنمية والمواطنة على أهمية تضافر جهود المجتمع المدني مع المؤسسات الرسمية لتحقيق عدالة قريبة من المواطن وتستجيب لتطلعاته.
الجلسة العلمية الأولى: ضمانات المحاكمة العادلة على محك المستجدات
ترأس الجلسة العلمية الأولى الأستاذ أحمد ميدة، رئيس المحكمة الابتدائية بالناظور سابقا وأستاذ زائر بالكلية متعددة التخصصات الناظور، وقد تميزت هذه الجلسة بمداخلات عميقة قاربت إشكالية ضمانات المحاكمة العادلة من زوايا مختلفة في ضوء مشاريع القوانين الجديدة.
الأستاذ ميمون الباب، رئيس المحكمة الابتدائية بالدريوش تناول موضوع ضمانات المحاكمة العادلة في قانون المسطرة الجنائية، استعرضت هذه المداخلة أهم المستجدات التي جاء بها مشروع قانون المسطرة الجنائية، وكيف تهدف هذه التعديلات إلى تعزيز حقوق الدفاع، وقرينة البراءة، وتكريس المحاكمة الحضورية والعلنية، بما يتماشى مع المعايير الدولية.
فيما عالج الأستاذ مراد مدني مستشار بمحكمة الاستئناف بالناظور موضوع “شهادة متهم على متهم وأثرها في تكوين الاقتناع القضائي”، قدمت المداخلة تحليلاً دقيقاً لإحدى أكثر المسائل الإجرائية حساسية، حيث ناقشت حدود اعتماد القاضي على شهادة متهم ضد آخر، والضمانات اللازمة لتجنب أي تعسف، وذلك في ضوء التعديلات التشريعية المرتقبة.
وفي مداخلة الأستاذ أحمد أحيدار نائب الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالناظور المعنونة بالدور الإيجابي لقضاة النيابة العامة في تعزيز المحاكمة العادلة، ركزت على التحول في دور النيابة العامة من مجرد طرف في الدعوى إلى حامية للحقوق والحريات، وكيف يمكن لقضاة النيابة العامة أن يلعبوا دوراً محورياً في ضمان توازن حقيقي بين أطراف الخصومة الجنائية.
وسلطت مداخلة الأستاذ يوسف عنتار أستاذ التعليم العالي الضوء على مبادئ الأمم المتحدة كمرجعية لحق الولوج إلى العدالة، وخاصة مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال القضاء ودور المحامين، وكيف تشكل هذه المبادئ إطارا مرجعيا لا غنى عنه لأي إصلاح وطني يهدف إلى تكريس الحق في الولوج إلى العدالة. وفي المداخلة الأخيرة للأستاذ عبد الصمد بلحاج محامي بهيئة المحامين الناظورالحسيمة، ورئيس جمعية المحامين الشباب بالناظور والدريوش، تناول موضوع حدود مبدأ المساواة بين سلطة الاتهام والدفاع في ظل قانون المسطرة الجنائية الجديد: أي ضمانات للمحاكمة العادلة؟.
أما الجلسة الثانية، التي سيرها الأستاذ محمد ملاح، أستاذ القانون العام بالكلية، تناولت جوانب عملية وتطبيقية للولوج إلى العدالة، وكشفت عن الفجوة التي قد تفصل بين النص القانوني والواقع العملي، من خلال مداخلات كل من ذ. مصطفى الغشام الشعيبي وذة. نسرين فليل في موضوع “الولوج إلى العدالة وضمانات المحاكمة العادلة”، ومداخلة ذ. بدر الدين بوقوقو في موضوع “المحاماة بين سلطان النص ورهان الممارسة”، ثم مداخلة ذ. عبدو الخلقي “العدالة الإصلاحية وإعادة الإدماج نحو تفعيل العقوبات البديلة”، واختتمت الجلسة بمداخلة ذ. محمد بنعلي في موضوع “مشروع قانون المسطرة المدنية وسؤال العدالة الإجرائية”.
اختتمت الندوة بنقاش تفاعلي مفتوح، أجمع خلاله المشاركون على أن الانتقال من التنصيص على الحق إلى تفعيله يتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين. ومن أبرز التوصيات التي تمخضت عن النقاشات:
•التسريع بإخراج النصوص القانونية المتعلقة بالمسطرة الجنائية والمدنية والعقوبات البديلة، مع ضرورة إشراك كل الفاعلين في صياغتها النهائية.
•تعزيز ثقافة حقوق الإنسان لدى كل المتدخلين في منظومة العدالة، من قضاة ومحامين وموظفين.
•الاستثمار في الرقمنة لتسهيل ولوج المتقاضين إلى المحاكم وتبسيط الإجراءات، مع توفير الضمانات اللازمة لحماية المعطيات الشخصية.
•دعم دور المحامي باعتباره ركيزة أساسية في الدفاع عن الحقوق، وتوفير الظروف الملائمة له للقيام بمهامه.
•تفعيل آليات العدالة التصالحية والوساطة كسبل بديلة لحل النزاعات وتخفيف العبء عن القضاء.
لقد شكلت ندوة الناظور محطة فكرية هامة، وخطوة إضافية في مسار بناء منظومة عدالة حديثة، فعالة، وقريبة من المواطن، تستجيب لتحديات الحاضر وتطلعات المستقبل.












































Add a Comment