بقلم الاستاذ صالح العبوضي
لطالما صُوّر السياسي في المخيال الشعبي المغربي على أنه كائن “فولاذي”، لا تحركه إلا المصالح ولا تستهويه إلا لغة الأرقام والخطب الرنانة. لكن المشاهد الأخيرة لزعماء أحزاب ومنتخبين وهم يغالبون دموعهم في مواقف إنسانية أو وطنية، تفرض علينا إعادة النظر في معاييرنا الأخلاقية والسياسية.
1. السياسة ليست “روبوتات” مسيرة
إن الاعتقاد بأن تقلد منصب المسؤولية يتطلب تجرداً كاملاً من العواطف هو اعتقاد مغلوط. السياسي، في نهاية المطاف، هو مواطن قبل أن يكون مسؤولاً؛ يتأثر بآلام الناس، يهتز للمواقف الصعبة، ويشعر بثقل الأمانة. الدموع هنا ليست دليل ضعف، بل هي مؤشر على بقاء الوازع الإنساني حياً وسط صراعات السلطة الجافة.
2. البكاء كـ “لازمة إنسانية” مشتركة
تاريخياً، بكى أعظم القادة في لحظات فارقة. فالبكاء هو التعبير الأسمى عن العجز أحياناً، وعن الامتنان أو الحزن العميق أحياناً أخرى. عندما يبكي منتخب مغربي تأثراً بمشهد اجتماعي أو إنجاز وطني، فهو يمارس حقه الطبيعي في التعبير. إن تجريد السياسي من حقه في البكاء هو نوع من “اللاإنسانية” التي تفرض عليه قناعاً مزيفاً طوال الوقت.
3. بين “الصدق العاطفي” و”التوظيف السياسي”
من حق المواطن أن يكون يقظاً، لكن من الظلم تعميم تهمة “التمثيل” على كل دمعة. الفرق يكمن في السياق:
* الدموع التلقائية: تظهر في مواقف مفاجئة وتكون وليدة اللحظة.
* الدموع المسيسة: تفتقر غالباً للحرارة والصدق ويصعب تمثيلها ببراعة أمام عدسات قريبة.
الإنصاف يقتضي منا أن نمنح المسؤول “حسن النية” مالم يثبت العكس، خاصة وأن المجتمع المغربي عاطفي بطبعه ويقدر “الكلمة النابعة من القلب”.
4. الحاجة إلى سياسة “بِوجه إنساني”
بدل انتقاد الدموع، ربما وجب علينا التساؤل: هل نريد حقاً حكاماً بقلوب حجرية لا تهتز لآلامنا؟ إن السياسي الذي يستطيع البكاء هو غالباً شخص لا يزال يمتلك قدرة على “التعاطف” (Empathy)، وهي الميزة التي تضمن أن تظل القرارات السياسية مرتبطة بالواقع الاجتماعي وليست مجرد معادلات جافة.
> خلاصة القول: إن الدموع التي سكبها بعض الفاعلين السياسيين في المغرب مؤخراً، هي تذكير بأن “المقعد” لم ينسهم “أصلهم البشري”. فلننصف الإنسان فيهم، ولنحاسبهم على برامجهم وإنجازاتهم، فالبكاء لم يكن يوماً جريمة، بل هو اعتراف صريح بأننا، مهما علونا، نبقى بشرًا.


Add a Comment