أمنوس . ما : ميمون عزو
اتصل بي صديق عزيز، يعرف تماما أنني لا أتردد في الحديث عن الظواهر التي نخجل أحيانا من مواجهتها.
قال لي بصوت يختلط فيه الغضب بالحسرة:
“اكتب عن هذا الذي يحدث عند بوابة بني انصار… الظاهرة خرجت عن السيطرة.”
كان يشير إلى الانتشار المتزايد لما يُسمّى بـ“الحراكة”، خصوصاً الأطفال القاصرين الذين يفترشون الطريق أمام بوابة مليلية، يمدون أيديهم للمارة، يطاردون السيارات، يزعجون القادمين والمغادرين، وبعضهم يحمل كيسًا من “السولوسيون” في يد، وفي اليد الأخرى محاولة فاشلة لاقتناص فرصة هرب نحو المجهول.
صديقي لم يكن يلومهم، بل كان يصف واقعا مؤلما يراه كل يوم، واقع يشبه دائرة مغلقة، أطفال يهربون من بيوتهم، يبحثون عن حياة أفضل، يقفون عند الحدود كمن ينتظر معجزة، يواجهون الرفض والعودة، ثم يعودون في الصباح من جديد… وكأن الزمن لا يتحرك.
لا أحد يمكنه إنكار الجهد الكبير الذي تقوم به السلطات المحلية في بني انصار.
حافلات تخرج يوميا، محملة بأطفال قادمين من مدن مختلفة، يتم إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية أملا في إيقاف النزيف. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها ، هؤلاء الأطفال يمسون في مدنهم… ويصبحون على بوابة بني انصار من جديد.
إنها حلقة مفرغة، تثبت أن المقاربة الحالية قائمة على “الإرجاع” فقط، لا على “العلاج”. والنتيجة ، الظاهرة تتفاقم، وصورة المدينة تتضرر، والأهم… هؤلاء الأطفال يزدادون ضياعاً ، فأين الخلل إذا ؟ يسألني صديقي .
الخلل في المصدر يا صديقي .
في المناطق المهمشة التي تُصدر مشاريع مهاجرين أكثر مما تُصدر مشاريع تنموية.
هؤلاء الأطفال لا يهربون من فراغ.
يهربون من بؤس، من فقر، من تفكك أسري، من غياب مدرسة جاذبة، ومن مدن لا تقدم لهم إلا اليأس.
وحين يصلون إلى بني انصار، يجدون أنفسهم في واجهة المدينة، أمام مليلية، أمام وعد كاذب بالعبور.
فما العمل ؟! اذا يسألني صديقي مرة أخرى .
ليس مطلوباً من بني انصار وحدها أن تحل أزمة وطنية بهذا العمق ، يا صديقي ، لكن المطلوب هو مقاربة اجتماعية حقيقية تبدأ من جذور المشكلة، لا من نهايتها.
برامج إدماج في مناطق المصدر، تعطي للأطفال سبباً للبقاء في بيوتهم ومدارسهم ، دعم الأسرة، لأن كثيراً من هؤلاء الصغار لا يعودون إلى منازلهم لأن منازلهم نفسها مكسورة ، تأهيل المساحات العمومية وإزالة النقاط السوداء حيث يتجمع القاصرون ، مراكز استقبال وتوجيه تُعامل القاصرين كضحايا، لا كـ“مخالفين”.
في ختام المحادثة يقول صديقي بنبرة حزينة و صوت مبحوح ما معناه (…) عندما يصبح طفل يحمل كيس مخدر في يد… وفي اليد الأخرى حلما بالهرب، فهذا أكبر من مجرد “ظاهرة”.


Add a Comment