أمنوس.ما : الحسين امزريني
مع حلول شهر رمضان الأبرك تتجدد في النفوس معاني الرحمة والمغفرة والتكافل فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وفيه تشرق القلوب بنور الطاعة وتسمو الأرواح بقيم الإحسان.
رمضان الذي نستشعر فيه معاناة الفقير والمحتاج ونراجع فيه ذواتنا وأخلاقنا وسلوكنا يظل مناسبة سنوية لإعادة ترتيب الأولويات والعودة إلى الجوهر الإنساني النبيل.
ويتداول الوعاظ والعلماء رمزية لطيفة في كلمة “رمضان” حيث تفسر حروفه بمعان روحانية: الراء رحمة، والميم مغفرة، والضاد ضمان إلى الجنة، والألف أمان من النار، والنون نور من الغفور الرحيم، غير أن الواقع الذي نعاينه في أيام هذا الشهر الفضيل يكشف مفارقة مؤلمة بين القيم المأمولة والسلوكيات الممارسة.
فمنذ دخول رمضان هذه السنة توالت حوادث السير الخطيرة والمميتة وارتفعت وتيرة المشاحنات اليومية التي تتحول أحيانا إلى شجارات عنيفة في مشاهد تتنافى مع روح الصيام القائمة على الصبر وكظم الغيظ، كما أثقل الغلاء المتصاعد كاهل الأسر فازدادت معاناة الفئات الهشة في مواجهة تكاليف المعيشة ما ألقى بظلاله على الأجواء الاجتماعية التي يفترض أن يغمرها التضامن والتراحم.
والأشد إيلاما هو تزايد مظاهر اليأس والاضطراب النفسي لدى بعض الأفراد وهو مؤشر خطير على ضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية متراكمة ، هذه الظواهر تستدعي وقفة جماعية جادة لا تقتصر على الرصد أو التنديد بل تتجه إلى المعالجة عبر نشر الوعي والدعم الأسري والمجتمعي وتعزيز قيم التراحم التي يشكل رمضان أفضل مدرسة لترسيخها.
إن روح الصيام لا تكتمل بالجوع والعطش فحسب بل بالتحلي بالأخلاق، واحترام الآخر، والرفق بالناس، والسمو عن النزاعات ،كما أن مسؤولية الحفاظ على سلامة الأرواح في الطرقات والأسواق والأحياء مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد ولا تنتهي عندالمؤسسات. فالتدين الحق لا يقاس بالمظاهر بل بالأثر الذي يتركه في السلوك اليومي وفي علاقة الإنسان بمحيطه.
يبقى رمضان فرصة ذهبية لمراجعة الذات وتصحيح المسار حتى لا يتحول شهر الرحمة إلى زمن تتفاقم فيه الأزمات الأخلاقية والاجتماعية.
فبقدر ما نحيي شعائره ينبغي أن نحيي مقاصده: الرحمة، والعدل، والتكافل، وصون الكرامة الإنسانية. وعندها فقط يستعيد الشهر الفضيل معناه الحقيقي في النفوس والواقع معا.

Add a Comment