أمنوس . ما
في إطار العناية الموصولة ببيوت الله تعالى، وسعياً لتطوير مناهج تحفيظ القرآن الكريم وتجويدها، وتنزيلاً لمقتضيات خطة “تسديد التبليغ” المباركة، شهدت رحاب مدرسة “الإمام مالك الخاصة للتعليم العتيق” بالناظور، صبيحة يومه الاثنين 15 يونيو 2026، فعاليات دورة تحسيسية هامة لفائدة محفظي ومحفظات الكتاتيب القرآنية بالإقليم؛ وهي التظاهرة التي تندرج ضمن البرنامج السنوي المسطر بتنسيق وثيق بين المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية والمجلس العلمي المحلي بالناظور، وخُصصت للتعريف بمضامين “الدليل المرجعي المؤطر لعملية التحفيظ”.
تميز اللقاء بحضور وازن ونوعي غصت به قاعة المحاضرات، ضم ثلة من السادة العلماء والعالمات، والأئمة المرشدين والمرشدات، وحشداً غفيراً من محفظي ومحفظات كتاب الله تعالى بالإقليم. وقد افتتحت مجريات هذا اللقاء المبارك بتلاوة جماعية لآيات بينات من الذكر الحكيم، شنف بها أسماع الحاضرين فضيلة الاستاذ عبد السلام حمدان (إمام مسجد أولاد إبراهيم بالناظور)، حيث أضفت هذه القراءة العطرة أجواءً من السكينة والروحانية والوقار على المحفل.
وفي كلمته التقديمية والتوجيهية، رحب فضيلة الدكتور أحمد بلحاج، المندوب الإقليمي للشؤون الإسلامية، بالحضور الكرام، منوهاً بالجهود الجبارة التي تبذلها جمعية الإمام مالك والقائمون على مدارس التعليم العتيق بالإقليم (كمدرستي زيد بن ثابت وبراقة). واستحضر السيد المندوب، بذاكرة ملؤها الفخر، مسار “اللوح والقلم” والأصالة التربوية التي ميزت المغاربة لعقود من الزمن، مؤكداً أن هذا اللقاء يروم بالأساس إحياء المنهج المغربي الأصيل وتحصين الكتاتيب من الشوائب التي قد تؤثر على جودة الحفظ، معتبراً الدليل المرجعي الجديد بمثابة خارطة طريق حقيقية للارتقاء بالأداء البيداغوجي والتربوي للمحفظين.
من جانبه، ألقى فضيلة العلامة سيدي ميمون بريسول، رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم الناظور والمشرف العام على مدرسة الإمام مالك الخاصة للتعليم العتيق، كلمة توجيهية بليغة وعميقة، ركز فيها على الجوانب الروحية والمسؤولية الملقاة على عاتق المشتغلين بالقرآن، وتجلت أبرز محاورها فيما يلي:
القيمة الروحية للمجالس: اعتبر فضيلته أن هذا اللقاء هو “مجلس خير وذكر”، مستشهداً بحديث النبي ﷺ حول نزول السكينة وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بمجالس تدارس القرآن، مؤكداً أن مفهوم “بيوت الله” يتسع ليشمل الكتاتيب والمدارس وقاعات المحاضرات التي يُتدارس فيها العلم الشريف.
تحديات الواقع الحالي: سجل فضيلته مفارقة هامة تتعلق بالفرق بين الماضي والحاضر؛ فبينما كانت الإمكانيات المادية ضعيفة في السابق (سنة 1991) مع إقبال كبير وتدافع على الحفظ، أصبحت الآن البنايات الحديثة والوسائل المادية متوفرة بكثرة لكن مع تراجع ملحوظ في الإقبال وعدد الطلبة.
دعوة للعمل والمسؤولية: شدد على أن كل فرد من الحضور (من أئمة، ومرشدين، ومعلمين) مسؤول مسؤولية كاملة أمام الله والتاريخ عن نشر القرآن وصيانته، داعياً إلى “صحوة حقيقية” تنبذ الاتكال على الآخرين وتستنهض الهمم للعمل الميداني.
الارتباط بالتعليم العتيق: أكد أن الغاية المثلى من التحفيظ هي إلحاق الطلبة بمسارات التعليم العتيق، معلناً عن تنظيم اختبار مستوى يوم السبت بمدرسة الإمام مالك (المعتمدة للأطوار الابتدائي والإعدادي والثانوي بالمنطقة) لاستقبال الطلبة الجدد، وحث الجميع على الاجتهاد والمثابرة لملء هذه المؤسسة بالطاقات الواعدة.
أما العرض العلمي الدقيق لهذا اللقاء، فقد تفضل بتقديمه الدكتور عبد اللطيف تلوان، المفتش التربوي للكتاتيب القرآنية بالإقليم؛ حيث استهل عرضه بقراءة سيميائية لغلاف الدليل، مفككاً دلالات رموز “اللوح” و”الصمغ” و”الصلصال” باعتبارها رموزاً أصيلة تدل على الإتقان المغربي.
وقد تميز عرض الدكتور تلوان بالشمولية، حيث استعرض بالشرح والبيان والتحليل كافة العناصر الثمانية عشر (18) المشكلة للدليل المرجعي، معرجاً على مراحل التحفيظ الثلاث الكبرى (الاستئناس، الحفظ، والإتقان). وفي ختام عرضه، شدد فضيلته على مخرجات وتوجيهات حاسمة:
حزم في منح الشواهد: أكد بصرامة على أن شهادة حفظ القرآن الكريم لا تُمنح إلا لمن ضبطه إتقاناً ورسماً ورواية عبر المجالس العلمية، محذراً من أي تساهل في هذا الأمر صوناً لكتاب الله تعالى.
التعبئة لاختبار المستوى: دعا المحفظين والمحفظات إلى إعداد طلبتهم إعداداً جيداً وتوجيههم لـ “اختبار المستوى” بمدرسة الإمام مالك الخاصة بالناظور.
آفاق التعليم العتيق: أبرز الآفاق التعليمية والمهنية الواعدة التي يتيحها التعليم العتيق في بناء شخصية التلميذ المتوازنة والجامعة بين العلوم الشرعية والحديثة.
عقب ذلك شهد اللقاء فتح باب النقاش، حيث عرفت القاعة تفاعلاً حيوياً ومستفيضاً من طرف الحاضرين الذين ركزوا على التحديات الميدانية والواقعية التي تواجه الكتاتيب القرآنية. واستأثر موضوع “مد الجسور بين التعليم العتيق والتعليم العمومي”، وكذا إعادة إحياء طقوس “القراءة الجماعية بعد صلاة العصر” باهتمام بالغ، حيث تم التأكيد على ضرورة العودة إلى هذه السنن الروحية والتربوية لما لها من دور حاسم في تثبيت الحفظ وصون الموروث.
وفي هذا السياق، وجه السيد المندوب الإقليمي دعوة للمحفظين بضرورة موافاة المندوبية بأسماء التلاميذ دون سن السادسة عشرة، لدمجهم وتوجيههم نحو مسارات التعليم العتيق بما يضمن مستقبلهم الدراسي والمهني الواعد.
وتتويجاً لأشغال هذا اللقاء العلمي والتحسيسي المبارك، ارتقى المنصة فضيلة الفقيه عمرو بوجطوي (إمام مسجد الحسن الثاني بالناظور)، ليتولى مهمة الختم برفع أكف الضراعة إلى العلي القدير بأن يحفظ مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، ويقر عينه بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وكافة أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وأن يتغمد برحمته الواسعة فقيدي العروبة والإسلام جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما.
ليختتم النشاط بتوزيع نسخ من “الدليل المرجعي المؤطر لعملية التحفيظ” على المحفظين والمحفظات، ليكون عوناً لهم ومرجعاً هادياً في ممارستهم اليومية النبيلة.












Add a Comment