أمنوس . ما : عبد الحميد البويفروري
قبل أن تنطلق الحملة الانتخابية بشكل رسمي، يبدو أن أجواء الانتخابات البرلمانية في الناظور دخلت بالفعل مرحلة السخونة، لكن هذه المرة من بوابة مواقع التواصل الاجتماعي.
فمع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي، بدأت تظهر على منصات التواصل الاجتماعي حسابات وصفحات تتابع الشأن الانتخابي المحلي، بعضها بأسماء مستعارة، وبعضها الآخر دون صور حقيقية لأصحابها، لتتحول إلى منصات للهجوم على هذا المرشح والدفاع عن ذاك، في مشهد يوحي بأن «الحرب الانتخابية بالوكالة» قد بدأت قبل موعدها الرسمي.
منشور هنا يهاجم مرشحا، وتعليق هناك يرد عليه، وحساب مجهول يدخل على الخط للدفاع عن طرف أو مهاجمة طرف آخر. وبين هذا وذاك، تتسع دائرة النقاش، أحيانا بناء على معطيات ومواقف سياسية، وأحيانا أخرى بناء على اتهامات وتلميحات يصعب التحقق من صحتها.
اللافت في هذه المرحلة المبكرة هو تداول اتهامات ثقيلة في حق عدد من المرشحين، من قبيل السعي إلى استغلال الوصول إلى البرلمان لقضاء مصالح شخصية، أو تسوية ملفات مرتبطة بالاستثمارات، أو تحقيق مكاسب لفائدة أفراد أو عائلات ، او القول أنهم ( ذي شفان ) أي شفارة .
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة هذه الاتهامات، وإنما في كون جزء منها يُطرح في الفضاء الرقمي دون أدلة واضحة أو وثائق تثبتها.
فالانتقاد السياسي حق مشروع، ومحاسبة المرشحين على ماضيهم وبرامجهم ومواقفهم مسؤولية الناخب والإعلام والرأي العام، لكن تحويل الاتهامات غير الموثقة إلى حقائق متداولة قد يساهم في تضليل الناخب أكثر مما يساعده على اتخاذ قرار واع.
وفي المقابل، فإن المرشح الذي يختار خوض غمار الانتخابات مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بتقديم إجابات واضحة حول مصادر تمويل حملته، ومشاريعه، ومواقفه، وعلاقته بالشأن العام، وما الذي يستطيع تقديمه فعلا للناخبين.
في المقابل، لا تبدو المعادلة مقتصرة على المرشحين وحدهم.
فخلف كل مرشح تقريبا شبكة من الداعمين والفاعلين والأصدقاء والمعارف، وبعض هؤلاء قد يكون مدفوعا بقناعة سياسية أو حزبية، فيما قد يبحث آخرون، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن تحقيق مصالح خاصة من خلال دعم هذا المرشح أو ذاك.
وهنا تطرح الانتخابات سؤالاً أكبر من مجرد: من سيصوت لمن؟
السؤال هو: لماذا سيصوت هذا الشخص لهذا المرشح؟
هل يتعلق الأمر بالبرنامج والقناعة السياسية والكفاءة؟
أم بعلاقة شخصية؟
أم بوعد بقضاء مصلحة؟
أم بملف عالق منذ سنوات؟
أم بانتظار تدخل لحل مشكلة إدارية أو مهنية أو استثمارية؟
في الواقع الانتخابي المحلي، كثيرا ما يتم اختزال شراء الأصوات في الصورة التقليدية، ناخب يتلقى مقابلا ماليا مباشرا مقابل صوته.
لكن المسألة قد تكون، في بعض الحالات، أكثر تعقيدا من ذلك.
فهناك من قد يساوم على صوته مقابل مبلغ مالي، وهناك من قد يرى في صوته ورقة تفاوضية لقضاء مصلحة شخصية أو عائلية.
وبالتالي، فإن «المقابل» ليس بالضرورة دائما ورقة نقدية؛ فقد يكون وعداً، أو تدخلاً، أو تسريعاً لملف، أو مساعدة في قضية، أو مجرد التزام بقضاء مصلحة مؤجلة.
وهنا يصبح السؤال: هل الناخب يختار ممثله السياسي، أم يفاوض على خدمة شخصية؟
أما في العالم الافتراضي، فقد برز نوع جديد من الفاعلين الانتخابيين: «الفاعلون الفايسبوكيون».
أشخاص قد لا يظهرون بأسمائهم الحقيقية، ولا بصورهم الشخصية، لكنهم حاضرون بقوة في المعارك الرقمية. يهاجمون، يدافعون، يردون، يلمحون، وأحيانا يطلقون اتهامات خطيرة.
وقد يبدو المشهد أحياناً وكأن المرشحين لا يخوضون معركتهم بأنفسهم، بل عبر مجموعات من الأنصار والمتعاطفين والحسابات التي تتولى مهمة الهجوم والرد.
إنها، باختصار، حرب انتخابية بالوكالة، سلاحها هذه المرة ليس الملصق الانتخابي ولا التجمع الخطابي، وإنما المنشور والتعليق والحساب المجهول.
ومع اقتراب الحملة الانتخابية الرسمية، سيكون الناخب الناظوري أمام سيل متزايد من الخطابات والمواقف والاتهامات.
وهنا تبرز مسؤولية الناخب في التمييز بين النقد والمعلومة، وبين الإشاعة والحقيقة، وبين البرنامج الانتخابي والوعد الشخصي.
فالانتخابات ليست فقط مناسبة لاختيار أسماء جديدة، وإنما لحظة يفترض أن يُطرح فيها سؤال جوهري: من يستحق تمثيل المنطقة؟ ومن يملك القدرة والكفاءة والإرادة للدفاع عن مصالحها؟
وفي النهاية، تبقى أخطر نتيجة لأي انتخابات هي أن يتحول صوت المواطن من وسيلة لاختيار ممثله إلى مجرد ورقة للمساومة على مصلحة شخصية.
أما مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تكون فضاء مهما للنقاش السياسي والمساءلة، لكنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى ساحة لحروب انتخابية مجهولة المصدر، يكون فيها الضجيج أكبر من البرامج، والاتهامات أكثر من الحقائق.
حمى الانتخابات بدأت.. والحرب بالوكالة بدأت معها. ويبقى السؤال: هل ستتنافس البرامج والأفكار، أم ستتغلب المصالح والصفحات المجهولة على صوت الناخب؟
Add a Comment