الرئيسية

مناضل الأمس… ومناضل اليوم شهادة من داخل التجربة

4 شتنبر 2026 - 19:54

بقلم: عمر شريق 
مناضل سابق في حزب يساري عتيد


أكتب هذه الكلمات لا من موقع المتفرج، ولا من موقع من يريد محاكمة جيل كامل، وإنما من موقع شخص عاش تجربة العمل الحزبي والنضال السياسي، وانتمى في مرحلة من حياته إلى حزب يساري عتيد كان للانتماء إليه معنى، وللنضال داخله ثمن، وللمبادئ مكانتها.

كان مناضل الأمس يدخل الحزب لأنه آمن بفكرة ومشروع ومبادئ، وليس لأنه يبحث عن موقع أو تزكية انتخابية.

كان يعرف أن الطريق قد يكون صعباً، وأن الدفاع عن الموقف والقناعة قد يكلفه الكثير. ومع ذلك كان مستعداً للتضحية بوقته وجهده ومصالحه، بل وحتى بحريته، لأن السياسة بالنسبة إليه لم تكن وسيلة للارتقاء الشخصي، وإنما كانت التزاماً أخلاقياً ووطنياً تجاه المجتمع والوطن.

كان المناضل يؤمن بالحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويناضل ضد الظلم والاستغلال والانتهازية والنفعية. وكان الحزب مدرسة حقيقية للتكوين والتأطير، يتعلم فيها المناضل كيف يفكر ويناقش ويختلف ويقنع، وكيف يربط بين العمل السياسي ومشاكل المواطنين اليومية.

وكان الحزب، في المقابل، يشعر بالمسؤولية تجاه مناضليه. يؤطرهم، يكوّنهم، يحميهم ويدافع عنهم، ويهيئهم لتحمل المسؤولية.

لم يكن الهدف هو جمع أكبر عدد من المقاعد في البرلمان بأي ثمن، ولا الوصول إلى الحكومة باعتبار ذلك انتصاراً شخصياً.

كان السؤال الأساسي هو:

كيف نصنع مناضلاً واعياً؟ وكيف نكوّن نخبة سياسية قادرة على خدمة الوطن والمواطن؟

أما اليوم، فقد تغير الكثير.

لا أقول إن كل الأحزاب وكل المناضلين أصبحوا كذلك، فهذا سيكون ظلماً وتعميمًا غير منصف. لكن لا يمكن أيضاً أن نتجاهل التحول الذي أصاب جزءاً من المشهد الحزبي.

أصبحنا نرى أحياناً من يبدأ علاقته بالحزب من البحث عن التزكية، قبل البحث عن المشروع والمبادئ.

وأصبح السؤال لدى البعض ليس:

“ما القضية التي سأدافع عنها؟”

وإنما:

“أي حزب يمكن أن يمنحني فرصة الوصول؟”

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

عندما يصبح المقعد هدفاً، تصبح المبادئ قابلة للتفاوض.
وعندما تصبح التزكية غاية، يصبح النضال مجرد وسيلة.
وعندما تصبح المصلحة الشخصية أقوى من المصلحة العامة، يفقد العمل السياسي جزءاً كبيراً من معناه.

لكن هل يتحمل “مناضل اليوم” وحده مسؤولية هذا التحول؟

بالتأكيد لا.

فالأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية أساسية أيضاً.

لقد كان من المفترض أن تكون الأحزاب مدارس للتكوين السياسي وتأطير المواطنين وإعداد النخب، لا مجرد آليات انتخابية تستنفر طاقتها عند اقتراب موعد الانتخابات.

إن الحزب الذي لا يؤطر أعضاءه، ولا يكوّن شبابه، ولا يفتح المجال للنقاش والاختلاف، ولا يربي على قيم المسؤولية والمواطنة، يفقد تدريجياً أهم وظيفة من وظائفه.

وهنا أتساءل، من موقع من عاش التجربة:

أين هي المدرسة الحزبية اليوم؟
أين هو التكوين السياسي؟
أين هو النقاش الفكري؟
أين هي تربية المناضل على خدمة المواطن قبل البحث عن خدمة نفسه؟
وأين هو إعداد النخب على أساس الكفاءة والنزاهة والاستحقاق؟

لا أحن بالضرورة إلى الماضي بكل تفاصيله، ولا أدعي أن تجربة الأمس كانت خالية من الأخطاء. فقد كانت لها أيضاً تناقضاتها وإخفاقاتها، وكان المناضلون بشراً يخطئون ويصيبون.

لكنني أحن إلى شيء واحد:

أحن إلى زمن كانت فيه للكلمة قيمة، وللانتماء معنى، وللمبدأ ثمن، وللنضال أخلاق.

لقد كان المناضل يعرف لماذا يناضل، ومن أجل من يناضل، وما الذي يمكن أن يضحي به من أجل قناعته.

واليوم، أخشى أن نكون قد انتقلنا، في بعض الحالات، من صناعة المناضل إلى صناعة المرشح.

وهذا ليس مجرد تغيير في المصطلحات، وإنما هو تغيير في فلسفة العمل السياسي.

أنا لا أكتب هذه الكلمات دفاعاً عن الماضي، ولا هجوماً على الحاضر، وإنما دفاعاً عن مستقبل السياسة في المغرب.

فبلادنا في حاجة إلى أحزاب قوية، ديمقراطية، مؤطرة، قادرة على إنتاج نخب سياسية حقيقية، وعلى تقديم مشاريع وبرامج، وعلى إعادة الثقة إلى المواطن في العمل السياسي.

وفي حاجة إلى مناضلين لا يعتبرون الحزب مجرد جواز سفر نحو البرلمان أو الجماعة أو الحكومة، وإنما يعتبرون الانتماء إليه مسؤولية والتزاماً وخدمة للصالح العام.

لقد عشت مرحلة كان فيها المناضل يقول:

“ماذا أستطيع أن أقدم؟”

وأخشى أن يكون السؤال اليوم لدى البعض:

“ماذا سيقدم لي الحزب؟”

وبين السؤالين مسافة كبيرة تختصر، في رأيي، جزءاً من التحول الذي عرفه العمل الحزبي والسياسي في المغرب.

مناضل الأمس كان يبحث عن القضية قبل الكرسي.
أما مناضل اليوم، فلا ينبغي أن يتحول إلى باحث عن الكرسي قبل القضية.

وإذا أردنا إعادة الاعتبار للسياسة، فعلينا أولاً أن نعيد الاعتبار للمناضل، وللحزب كمدرسة، وللمبدأ كمرجعية، وللمصلحة العامة كغاية.

هذه ليست شهادة حنين إلى الماضي…

إنها صرخة من مناضل سابق، ما زال يؤمن بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقاً، وأن النضال يمكن أن يكون تضحية، وأن خدمة الوطن والمواطن يمكن أن تكون أسمى من أي منصب أو مقعد
بقلم : عمر شريق
مناضل سابق في حزب يساري عتيد

04 سبتمبر 2026 - 20:04

العروي.. إصابة سائق «تريبورتور» في حادثة سير قرب مستشفى محمد السادس

04 سبتمبر 2026 - 13:26

اقليم الناظور في صدارة جهة الشرق ويحتل المرتبة العاشرة وطنيا

01 سبتمبر 2026 - 16:51

موجة حر مرتقبة تضرب عدداً من مناطق المملكة ابتداءً من الثلاثاء

01 سبتمبر 2026 - 15:13

رئاسة النيابة العامة تدعو كافة النيابات العامة لدى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية إلى التعبئة لضمان نزاهة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة

Add a Comment