بقلم : الاستاذ عمر شريق
في تاريخ فرخانة، كما في تاريخ الريف عامة، أسماء كثيرة صنعت حضورها في مجالات مختلفة، وتركت بصماتها في التعليم والثقافة والفن والسياسة والعمل الجمعوي. ومن بين هذه الأسماء يبرز الدكتور عبد الله شريق، أحد أبناء المنطقة الذين اختاروا أن يجعلوا من البحث والنقد الأدبي وسيلة لاكتشاف الذاكرة الثقافية للريف، والتعريف بإبداعاته، ولا سيما الشعر الأمازيغي الريفي.
لقد ارتبط اسم عبد الله شريق، بشكل خاص، بالدراسات التي واكبت تطور الشعر الأمازيغي في الريف، حيث لم ينظر إلى القصيدة باعتبارها مجرد تعبير فني، وإنما باعتبارها أيضًا وثيقة ثقافية تحفظ الذاكرة الجماعية، وتكشف تحولات المجتمع والإنسان الريفي عبر الزمن.
ومن الأعمال البارزة في هذا المجال كتاب «إشكاليات وتجليات ثقافية في الريف»، الصادر سنة 1994، وهو عمل مشترك بين عبد الله شريق ومحمد أقضاض والحسين القمري. وقد اعتُبر من الأعمال النقدية المبكرة التي اهتمت برصد الثقافة الريفية وتعبيراتها المختلفة، ومن بينها الشعر الأمازيغي.
وفي هذا السياق، اهتم شريق بالتجربة الشعرية الأمازيغية المعاصرة بالريف، متوقفًا عند خصائص الشعر التقليدي، والتحولات التي عرفها الشعر الحديث على مستوى اللغة والبناء والرؤية، ومواكبًا تجارب عدد من الشعراء الريفيين.
ولم يقتصر اهتمامه على الجانب الجمالي للقصيدة، بل انفتح أيضًا على علاقتها بالتاريخ. ففي مقاله «الشعر الأمازيغي في الريف ومقاومة الاستعمار الإسباني»، المنشور سنة 2005، تناول حضور المقاومة الريفية في الشعر الأمازيغي، مبرزًا الأشكال الفنية والجمالية التي وظفها الشعراء للتعبير عن مقاومة الاحتلال الإسباني، ومن ذلك ما ارتبط بمعركة أدهار أوبران.
وهنا تتجلى إحدى أهم خصوصيات مشروع عبد الله شريق: الشعر عنده ليس مجرد كلمات موزونة أو صور جميلة، بل جزء من الذاكرة التاريخية للشعب الريفي. فالقصيدة التي حفظتها الذاكرة الشعبية قد تكون في كثير من الأحيان وثيقة موازية للتاريخ المكتوب، لأنها تنقل ما عاشه الناس وما أحسوا به وما تناقلته الأجيال.
ومن القضايا التي أولى لها اهتمامًا خاصًا مسألة انتقال الشعر الأمازيغي الريفي من الشفاهية إلى الكتابة. وقد نشر سنة 2006 مقاله المعروف «الشعر الأمازيغي في الريف بين الشفاهية والكتابة» في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، ثم في مجلة «آفاق» في العدد 72 من السنة نفسها.
وهو انتقال لم يكن مجرد تغيير في وسيلة التعبير، فالانتقال من القصيدة التي تحفظها الذاكرة وتتناقلها الألسن إلى القصيدة المكتوبة يطرح أسئلة عميقة حول اللغة، والأسلوب، والمتلقي، ووظيفة الشعر، وحول قدرة الكتابة على حفظ جزء من الذاكرة الثقافية الريفية من الضياع.
كما واكب عبد الله شريق التحولات التي عرفتها القصيدة الأمازيغية الحديثة، واهتم بعلاقتها بأسئلة الهوية والحداثة والتجديد، وهو ما جعله واحدًا من النقاد الذين رافقوا الحركة الشعرية الأمازيغية بالريف في مراحل مهمة من تطورها. وتشير الدراسات التي تناولت الحركة النقدية في المنطقة إلى حضور اسمه ضمن أبرز النقاد الذين واكبوا الشعر الأمازيغي الريفي بالنقد والتحليل والتقويم والتصنيف.
ولم يكن دوره مقتصرًا على التأليف والدراسة، بل ساهم كذلك في التعريف بعدد من التجارب الشعرية، وكتب مقدمات وقراءات نقدية لأعمال شعرية أمازيغية، مؤديًا بذلك دور الوسيط بين المبدع والقارئ، وبين النص الشعري والسياق الثقافي الذي نشأ فيه.
ولعل القيمة الحقيقية في تجربة الدكتور عبد الله شريق تكمن في أنه لم يتعامل مع الثقافة الريفية من موقع المتفرج، وإنما من موقع الباحث الذي يحاول أن يفهمها ويوثقها ويمنحها مكانتها داخل المشهد الثقافي المغربي.
إن الحديث عن عبد الله شريق، بالنسبة لنا نحن أبناء فرخانة، ليس مجرد حديث عن باحث وأستاذ وناقد أدبي؛ إنه حديث عن واحد من أبناء المنطقة الذين حملوا جزءًا من اسمها وذاكرتها إلى فضاء البحث والثقافة.
وفرخانة، التي أنجبت عبر تاريخها مدرسين ومثقفين وفنانين ومناضلين وفاعلين في مختلف المجالات، تستحق أن تُروى قصص أبنائها، لا من باب الحنين فقط، وإنما من أجل حفظ الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة.
هذه هي فلسفة «بورتريهات فرخانية»:
أن نعيد اكتشاف أبناء منطقتنا، وأن نمنح كل واحد منهم المساحة التي يستحقها، وأن نقول للأجيال الجديدة إن وراء الأسماء التي قد تمر أمامها عابرةً، حكايات وتجارب وعطاءات تستحق أن تُروى.
عبد الله شريق واحد من هذه الأسماء.
وما هذه الحلقة إلا محاولة متواضعة للوفاء لرجل جعل من الثقافة والأدب والنقد جسرًا بين الإنسان الريفي وذاكرته، وبين الماضي والحاضر، وبين الشفاهة والكتابة.
يتبع…
✍️ عمر شريق
من سلسلة: بورتريهات فرخانية. الحلقة الثانية
Add a Comment