بقلم الاستاذ : عمر شريق
حين نستحضر ذاكرة فرخانة ورجالاتها الذين تركوا بصماتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، لابد أن نتوقف عند اسم المرحوم الحاج معنان بنعيسي البوجي، أحد أبناء المنطقة الذين جمعوا بين روح المبادرة في التجارة والأعمال الحرة، والحضور الاجتماعي، ومساعدة الناس، والانخراط في عدد من المبادرات ذات الطابع الإنساني والخيري.
وُلد المرحوم الحاج معنان بنعيسي البوجي بـدوار أهوشنن بفرخانة، وينتمي إلى الأعيان المعروفين بقبيلة مزوجة، إحدى مكونات قبيلة قلعية. وقد عرف منذ وقت مبكر بنشاطه في مجال التجارة والأعمال الحرة، قبل أن يوسع نشاطه إلى قطاع النقل، الذي كان له دور مهم في الحياة اليومية لسكان المنطقة.
فقد كان صاحب شركة لحافلات النقل، تؤمن خطين أساسيين: فرخانة–مليلية وفرخانة–الناظور، في مرحلة كانت فيها وسائل النقل محدودة، وكان التنقل بين مراكز المنطقة يشكل تحدياً حقيقياً بالنسبة للسكان، وخاصة بالنسبة للتلاميذ والتلميذات.
ومن بين المبادرات التي ارتبطت باسمه، والتي تستحق أن تستعيدها الذاكرة المحلية بكل تقدير، تدشينه للخط المدرسي لنقل تلاميذ وتلميذات فرخانة بثمن رمزي، في مبادرة كان هدفها تشجيع أبناء المنطقة على مواصلة تعليمهم.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة إذا استحضرنا الظروف التعليمية التي كانت سائدة آنذاك؛ إذ لم تكن توجد مؤسسة للتعليم الثانوي بفرخانة ولا ببني أنصار، وكان أبناء المنطقة مضطرين إلى التنقل إلى الناظور لمتابعة دراستهم الثانوية. لذلك كان توفير نقل مدرسي مناسب وبثمن رمزي مساعدة حقيقية للأسر والتلاميذ، ومساهمة عملية في محاربة الانقطاع عن الدراسة وتشجيع أبناء المنطقة على متابعة تعليمهم.
ولم يكن حضور الحاج معنان مقتصراً على المجال الاقتصادي، فقد كان له أيضاً حضور في تدبير الشأن المحلي، حيث كان أحد أعضاء أول مجلس قروي بمركز فرخانة بعد انتخابات سنة 1976، في مرحلة كانت فيها المنطقة تعرف بدايات تنظيم العمل الجماعي وتطور مؤسسات تدبير الشأن المحلي.
وعلى المستوى الاجتماعي والإنساني، عُرف المرحوم بمساعدة المحتاجين، وبمبادراته في العمل الخيري والإنساني، سواء في فرخانة أو مليلية. وكان يرى في المال والتجارة وسيلة لبناء علاقات اجتماعية قائمة على التضامن والتكافل، وليس فقط وسيلة لتحقيق الربح.
كما حرص على نقل تجربته إلى أبنائه، فرباهم على قيم التجارة والعمل وتنمية الأعمال، مؤمناً بأن نجاح الإنسان لا يقاس فقط بما يراكمه من ثروة، وإنما أيضاً بما يتركه من أثر طيب في محيطه وفي ذاكرة الناس.
إن استحضار سيرة المرحوم الحاج معنان بنعيسي البوجي اليوم هو استحضار لجيل من رجال فرخانة الذين ساهموا، كل من موقعه وبحسب إمكانياته، في بناء الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، وفي مساعدة الناس وتيسير شؤونهم، في زمن كانت فيه الإمكانيات محدودة، وكانت المبادرات الفردية ذات أثر كبير في حياة المجتمع.
رحم الله الحاج معنان بنعيسي البوجي رحمة واسعة، وجعل ما قدمه من أعمال الخير ومساعدة للناس في ميزان حسناته، وأكرم نزله ووسع مدخله.
ألف رحمة ونور تنزل على أمثال الحاج معنان بنعيسي البوجي، وعلى كافة رجالات قبيلة قلعية الذين تركوا وراءهم سيرة طيبة وذاكرة تستحق أن تحفظها الأجيال.
Add a Comment