متابعة :
الأستاذ الراضي أوعزي مدرس العلوم البحتة والرياضيات، أسلم الروح الى بارئها يوم الإثنين 07 جمادى الأولى 1448هـ الموافق لـ 19 أكتوبر 2026م، في بيته بحي الناظور الجديد. وذلك بعد مرض عضال نحسب، ولا نزكي على الله أحدا، انه طهور، فالرجل لم يتوقف عن العطاء ولو بعد تقاعده من وظيفته الرسمية الى أن أقعده المرض وخضع لعملية جراحية دقيقة.
ولد بتفرسيت إقليم الناظور سابقا وحاليا إقليم الدريوش ودرس في المدارس العصرية بعد رحلة قصيرة مر فيها من أحد الكتاتيب القرآنية كعادة أهل المغرب. وبعد تفوقه في امتحان الباكالوريا، تخصص مع بعض رفاقه في درب التعلم والتحصيل في العلوم الفزيائية والطبيعية والكميائية والرياضيات.
وتخرج من مدارس التكوين التي كانت منتشرة وقتها بالمدن الكبرى كالرباط وفاس ومكناس ووجدة. وبعد نيله للشواهد العليا في هذا التخصص اختار مهنة التدريس والتعليم التي أحبها وأخلص لها وأتقنها بوسائلها المعرفية والنظرية والتطبيقية. صحبته لبعض السنوات مع مدرسين أخرين بثانوية الشريف محمد أمزيان فكانت نعم الصحبة أفادتني كثيرا في التحلي بالصبر والاناة والإخلاص والصدق في أداء الواجب المهني. كنا نتقاسم بعض المستويات التعليمية لإعداد برنامج متكامل لا تطغى فيه مادة على مادة، لان التلميذ في مراحله الأولى عليه أن يستوعب كل فقرات المواد المقررة من العلوم العربية والبحتية فكنت أتقاسم مع الأستاذ الراضي رحمه الله الأقسام الإشهادية بالاضطلاع بتدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية. بينما يجتهد رحمه الله في تدريس مادة الرياضيات التي كان شغوفا بقواعدها وقوانينها والأسس التي تبنى عليها أشهر مصطلحاتها.
أسس الأستاذ الراضي – وهذه شهادة لله- ومعه رفقة ممن آمنوا بأن التعليم رسالة، وهي أمانة على عاتق كثير ممن حملها عن وعي أو بغير وعي، منهم أفراد كرجال التربية والتعليم ومنهم جماعات كمؤسسة العلماء والأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة، قلت أسس قاعدة ذهبية لنجاح العملية التعليمة والتعلمية وهي : الإرادة والصدق والإخلاص والجد والاجتهاد وهو ما عبر عنه علماؤنا قديما:
أَخي لَن تَنالَ العِلمَ إِلّا بِسِتَّةٍ … سَأُنبيكَ عَن تَفصيلِها بِبَيانِ
ذَكاءٌ وَحِرصٌ وَاِجتِهادٌ وَبُلغَةٌ … وَصُحبَةُ أُستاذٍ وَطولُ زَمانِ
وكان رحمه الله في مقدمة من سارع الى تطبيق هذه الخصال فنال شهرة مهمة وعرف إقبالا من طرف تلامذته وازدحموا على حصته وحلقته. وعندما ذاع صيته أصبح مطلوبا من الآباء والأمهات في تقديم الدعم لأبنائهم وبناتهم. وهكذا قضى ما ينيف عن ثلاثين سنة من العمل الدؤوب يعلم باللوح الأسود والطباشير دون كلل ولا ملل ينأى بنفسه عن الانتقال الى الأعمال الإدارية التي قد يجد فيها بعض رجال التعليم راحة زائدة عن التدريس في القسم. رفض كل الإغراءات التي تجعل منه مكلفا بالعمل الإداري (مدير أو حارس عام أو ناظر)، متشبثا بما ندب اليه نفسه ونذرها له وهو التدريس الذي يستدعي الاحتكاك مع طلبة العلم مباشرة. وهو عمل مضن وخاصة عندما دخلته هذه الصناعة البشرية التي تكلف المدرس أمورا معقدة تكاد تفرغ العملية التعليمية من محتواها وجوهرها.
استمر الأستاذ الراضي رحمه الله يؤدي رسالته في المدرسة العمومية إلى أن أحيل على المعاش وقد جاوز عمره الستين سنة.
وتحت طلب ملح من مدرسة الإمام مالك للتعليم العتيق بالناظور، انخرط في صفوفها مرة أخرى يأخذ مكانه بين إخوان له شابت رؤوسهم في تعليم القرآن والحديث وعلومهما من فقه وأصول ونحو وبلاغة ومنطق وتوقيت وغيرها؛ مواصلا مشواره بنفس التخصص( الرياضيات)، فأفاد وأجاد؛ خاصة مع هذه الفئة من طلبة التعليم العتيق الذين وجدوا في مادة الرياضيات ضالتهم وارووا عطشهم منا نظرا لعلاقتها الماسة مع مادة الفرئض والتوقيت وهما معا لا يمكن التعمق في فهمهما إلا بإتقان مادة الحساب. اشتغل الأستاذ الراضي رحمه الله في هذه المدرسة ملتزما كعادته بالبرنامج المقرر الى أن أقعده المرض وتوقف مكرها عن التدريس وقلبه معلق بهذا المعهد القرآني يزوره من حين لآخر الى أن جاء خبر نعيه رحمه الله.
إن من مناقب الفقيد رحمه الله الصبر والإخلاص والصدق والقناعة. فقد كان كثيرا ما يزهد في المكافأة التي يتلقاها مقابل عمله فلا يقبضها الا من أجل أن يتصدق بها على الطلبة.
وإن كان الموت قد غيبت أستاذنا ومعلمنا جسدا، فإنه سيبقى في قلوب تلامذته وأصدقائه وأهله ما بقوا على قيد الحياة، وصدق الشاعر وهو يرثي أحدا من أمثاله عندما يقول:
يا من عتبت عليه في زلاته*** واليوم أبكي فقده وتغيب
أديت للأجيال خير رسالة*** فمثلك في قلوب الناس لا يغيب
وفعلا كان الأستاذ الراضي رحمه الله، واني أقول في حقه ما ردده الشاعر حافظ إبراهيم في أحد المعلمين:
خلفت في الدنيا بيانا خالدا*** وتركت أجيالا من الأبناء
وغدا سيذكرك الزمان لم يزل*** للدهر انصاف وحسن عزاء
ففي المقبرة عندما ووري التراب وقف الأستاذ ميمون بريسول، المشرف على مدرسة الإمام مالك للتعليم العتيق بالناظور، يرثيه ويؤبنه مذكرا بخصاله الحميدة وبابتسامته العريضة، وبجلده وصبره على أداء الواجب، ومما قال: ان فقدان معلم الناس الخير هو خسارة لمربي الأجيال وباني العقول، وإن كان الموت قد طوى صفحة الفقيد العزيز علينا جسدا، فإنه سيبقى في القلوب والعقول ذكرا منقوشا لن ينسى وستظل أعماله ومآثره وسيرته نبراسا وقدوة لمن لايزال على قيد حياة.
واما أحد تلامذته فقد بكاه وقال: “نم مرتاح البال والضمير فقد أديت الأمانة وقمت بدورك على أحسن وجه والرجال الصادقون أمثالك لا يموتون”. وكذلك قال تلميذ له تخرج على يديه: “يا معلمنا ويا استاذنا، رحلت وبقي اثرك الطيب فينا، كنت لنا أبا وقائدا، غرست فينا حب العلم والخلق النبيل جزاك الله عنا خير الجزاء،
Add a Comment