في صباح عيد الأضحى بمليلية، لم يكن المشهد الديني وحده هو ما استوقف الحاضرين في ساحة سان لورينزو وسط الثغر الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب؛ بل ذلك اللقاء الذي جمع البرلماني المغربي السابق يحيى يحيى برئيس المدينة خوان خوسي إمبرودا، والذي مرّ في لحظته الأولى كحدث عابر ضمن أجواء التهاني والمصافحات، قبل أن يتحول لاحقا إلى مادة للنقاش والتأويل داخل مليلية، مع بروز تساؤلات حول طبيعته وما دار فيه بالفعل.
اللقاء، الذي جرى على هامش صلاة العيد يوم الأربعاء الماضي، بدا في ظاهره بروتوكوليا وبسيطا: تبادل تهانٍ بالعيد، وإشادة بحسن التنظيم، وكلمات قصيرة بين شخصيتين تحملان تاريخا سياسيا وثقافيا مرتبطا بالمدينة والحدود المحيطة بها؛ غير أن حضور يحيى يحيى، المعروف بدعوته إلى رحيل إسبانيا عن سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما والمنادي بإعادة فتح المعابر مع مليلية ومعبر فرخانة تحديدا، جعل من هذا اللقاء حدثا يتجاوز طابعه الديني الاجتماعي إلى فضاء سياسي مفتوح على التأويل.
في اللحظات الأولى، لم تُلتقط سوى مشاهد التفاعل العادي: مصافحة بين يحيى وإمبرودا، تبادل للابتسامات، وحديث قصير حول تنظيم صلاة العيد.. لكن ما تسرب لاحقا، وما أوردته جريدة “Melilla Hoy” (مليلية اليوم) في تغطيتها، أعاد ترتيب المشهد، حين نقلت تفاصيل عن مضمون الحوار الذي دار بين الطرفين، وكيف أن التهاني لم تكن منفصلة تماما عن نقاشات مرتبطة بسياقات مليلية وملفاتها المفتوحة.
وحسب ما نقلته الصحيفة الإسبانية فقد أكد يحيى يحيى أن إمبرودا هنأه بعيد الأضحى، قبل أن يبادله التهاني بـ”حسن تنظيم فضاء الصلاة داخل المدينة”؛ وهو ما رد عليه رئيس المدينة بالإشارة إلى جهود فاضلة محطار، مسؤولة الثقافة بالحكومة المحلية لمليلية.. هذا التبادل، رغم بساطته الظاهرة، كان كافيا لإثارة اهتمام المتابعين داخل مليلية، خاصة في ظل الخلفيات السياسية للشخصيات الحاضرة.
ومع مرور الساعات، بدأ اللقاء يتحول من مشهد احتفالي إلى موضوع نقاش عام، ليس فقط بسبب هوية طرفيه؛ ولكن أيضا بسبب السياق الذي يرافق عودة يحيى يحيى إلى الواجهة في المدينة التي كبر فيها، بعد تصريحات سابقة له حول مناشدة الملك محمد السادس لإعادة فتح معبر فرخانة في إطار مقاربة وصفها بـ”الإنسانية”، من جهة، وطول مدة عبور مغاربة الثغر نحو بني انصار التي تصل في أحيان كثيرة إلى 8 ساعات في كل اتجاه.
وفي خضم هذا الجدل، برزت جريدة “Melilla Hoy” كمصدر أعاد تفكيك تفاصيل اللحظة، مقدمة رواية أقرب إلى إعادة بناء المشهد، من خلال ربط التهاني المتبادلة بسياق أوسع من العلاقات والملفات المفتوحة، دون أن يؤكد أي من الطرفين وجود نقاشات سياسية مباشرة خلال اللقاء.
وهكذا، وجد سكان مليلية أنفسهم أمام مشهد مزدوج: صورة احتفالية هادئة في ساحة الصلاة، تقابلها قراءات متعددة في الفضاء العام والإعلامي، تحاول فهم ما إذا كان ما جرى مجرد لقاء عابر في مناسبة دينية، أم أنه حلقة جديدة في سلسلة تفاعلات سياسية غير مكتملة بين المسؤولين عن التدبير في مليلية وشخصية من كبار المنتقدين لوجودهم في المنطقة؛ من طينة يحيى يحيى.
وبين هذا وذاك، ظل لقاء يحيى يحيى بخوان خوسي إمبرودا معلقا في “منطقة رمادية”، لا هو حدث سياسي معلن، بعدما حرص عدد كبير من المنابر الإعلامية في مليلية على “تجاهله” لإرضاء الحكومة المحلية ورئيسها إمبرودا، ولا هو مشهد اجتماعي خالص.. بل لحظة صغيرة في زمن معقد، تكشف كيف يمكن لمصافحة في يوم عيد أن تتحول إلى خبر مفتوح على أكثر من قراءة.
عن هسبريس / صور مليلية هوي

Add a Comment