بقلم : كمال سليمان سليماني
المقدمة:
يمتد تاريخ المغرب عبر قرون طويلة، تشكلت خلالها ملامح دولة عريقة إستطاعت أن تحافظ على شخصيتها السياسية و الحضارية و الثقافية و الهوياتية، رغم تعاقب العصور و السلالات و تغير موازين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط و شمال إفريقيا. و ليس تاريخ المغرب مجرد سرد لأسماء الملوك و السلاطين و المعارك و الملاحم، بل هو قصة أمة استطاعت أن تبني لنفسها كياناً سياسياً متماسكاً، و أن تجمع بين العمق الأمازيغي الإفريقي و الإنفتاح المتوسطي و الإمتداد الإسلامي و المريسكي الأندلسي.
و من بين المحطات القديمة التي تثير إهتمام المؤرخين تاريخ الممالك المورية أو الموريطانية في شمال إفريقيا، حيث برز عدد من الملوك المحليين الذين إرتبطوا بالمجال الذي يشمل أجزاء من المغرب الحالي. و يُذكر الملك باݣا ⴱⴰⴳⴳⴰ ضمن أسماء الملوك الموريين (المغاربة) في المصادر القديمة، في سياق تاريخ سياسي سابق للعصر الإسلامي، حين كانت المنطقة تعرف تفاعلاً قوياً بين السكان المحليين و القوى المتوسطية، و خاصة مصر و اليونان و قرطاجة و روما.

و من تلك الجذور القديمة، مروراً بالعصور الإسلامية و قيام الدول الإدريسية و المدرارية و المغراوية و البرغواطية و المرابطية و الموحدية و المرينية و الوطاسية و السعدية و العلوية، وصولاً إلى عهد الملك محمد السادس، يمكن النظر إلى تاريخ المغرب بإعتباره مساراً طويلاً من بناء الدولة و ترسيخ السيادة و الدفاع عن الوحدة الترابية و تطوير المجتمع.
إن الحديث عن “أمجاد الدولة الأمة” لا يعني إختزال التاريخ في الإنتصارات وحدها، و لا تجاهل فترات الضعف و الأزمات، و إنما يعني إستحضار القدرة المتكررة للمغرب على التجدد، و إعادة بناء مؤسساته، و المحافظة على إستقلال قراره، و تحويل التحديات إلى فرص لبناء المستقبل.

– جذور الدولة في المغرب القديم:
عرف شمال إفريقيا منذ العصور القديمة مجتمعات و ممالك محلية ذات تنظيم سياسي و إجتماعي و ثقافي و اقتصادي و عسكري. و قد شكل الموقع الجغرافي للمغرب عاملاً أساسياً في تاريخه؛ فهو يطل على المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط، و يتصل في الوقت نفسه بعمق الصحراء الكبرى الأمازيغية و البلدان الإفريقية.
و في هذا السياق ظهرت الممالك المورية أو الموريطانية القديمة REGNUM MAURORUM، التي لم تكن إمتداداً بسيطاً للحضارات الأوروبية، و إنما كانت كيانات سياسية محلية نشأت في شمال إفريقيا، و تفاعلت مع القوى الكبرى المحيطة بها.
و يرتبط إسم الملك باݣا بهذه المرحلة القديمة من تاريخ المنطقة. و مهما كانت محدودية المعطيات المتوفرة حول عهده مقارنة بما نملكه من مصادر عن العصور اللاحقة، فإن إستحضاره يسلط الضوء على حقيقة مهمة، و هي أن المجال المغربي عرف أشكالاً من التنظيم السياسي و الحكم المحلي قبل قيام الدولة الإسلامية بقرون.

و قد كان المغرب القديم فضاءً للتفاعل بين السكان الأصليين الأمازيغ و القوى المتوسطية و الإفريقية، كما عرف علاقات تجارية و سياسية مع مصر و الإغريق و إتيوبيا و قرطاجة و روما و غيرها. و مع توسع النفوذ الروماني، دخلت أجزاء من شمال إفريقيا خاصتا المدن الساحلية في المجال الروماني، غير أن ذلك لم يؤد إلى إختفاء الشخصية المحلية، التي ظلت حاضرة في البنية الإجتماعية و الثقافية و السياسية للمنطقة.
– الإسلام و بداية مرحلة جديدة في تاريخ المغرب:
مع وصول الإسلام إلى شمال إفريقيا، دخل المغرب مرحلة تاريخية جديدة. و لم يكن إنتشار الإسلام مجرد تحول ديني، بل إرتبط كذلك بتحولات سياسية و حضارية عميقة. حيث لم يخضع المغرب للدولة الأموية في البداية و ظل مستقل في عهد الملك الموري يسجا أغومان يرسن أمير المسلمين المغاربة و المعروف كذلك في المصادر التاريخية بطارق بن زياد النفزي Rex marrochorum الذي تم إختطافه في كمين دبر له موية بن نصير أثناء فتح الأندلس و قتله في دمشق بأمر الخليفة الأموي. غير أن ثورة الملك المغربي ميسرة المظغاري النفزي سنة 123 هجرية أعادة المغرب الإسلامي إستقلاله السياسي و الديني عن الدولة الأموية في الشرق الإسلامي بعد معركة وادي سبو الملحمية و معركة بوقدورة المجيدة و معركة الأشراف الخالدة.
و في أواخر القرن الثامن الميلادي ظهرت في المغرب عدة إمارات محلية أمازيغية إسلامية في مراكز متفرقة من بينها الدولة الإدريسية، التي إرتبط قيامها بقبائل أوربة و مكناسة و زواغة الأمازيغية و أصبحت مدينة فاس بعد وليلي مركزاً سياسياً و حضارياً مهماً. و من هنا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المغرب، تم فيها الإنتقال من التراكم الحضاري للممالك الأمازيغية القديمة إلى بناء دولة إسلامية ذات مؤسسات متجددة و مراكز حضرية و علمية و ثقافية و تجارية تساهم في ترسيخ شخصية الدولة الأمة.
و قد شكلت فاس محطة بالغة الأهمية، إذ أصبحت المدينة لاحقاً واحدة من أهم حواضر العالم الإسلامي في الغرب الإسلامي. كما ساهمت جامعة القرويين في جعل المغرب مركزاً للعلم و المعرفة، و إستقطبت علماء و طلبة من مناطق مختلفة كما كانت مدينة وليلي من قبلها.
و هكذا بدأ يتبلور تدريجياً نموذج مغربي خاص يجمع بين الإسلام والأمازيغية و الإنتماء الإفريقي و روافدها، و هو نموذج سيظل حاضراً في شخصية الدولة المغربية عبر القرون.
– المرابطون و بناء الدولة الأمة:
مع قيام الدولة المرابطية في القرن الحادي عشر، إنتقل المغرب إلى مرحلة من القوة السياسية و العسكرية الكبرى. فقد إستطاع المرابطون توحيد مساحات واسعة من المغرب و باقي الأقاليم الأمازيغية (تامازغا) و أسسوا مدينة مراكش التي أصبحت عاصمة لدولتهم.
و لم يقتصر نفوذ المرابطين على المغرب، بل إمتد إلى الأندلس، حيث تدخلوا في مواجهة التوسع المسيحي في شبه الجزيرة الإيبيرية.
و كانت هذه المرحلة دليلاً على قدرة الدولة المغربية التي تجاوزت في العديد من الفتيات حدودها الجغرافية التقليدية، و على إقامة شبكة سياسية و حضارية واسعة تمتد من الصحراء إلى الأندلس.
كما ساهم المرابطون في تنشيط التجارة عبر الصحراء، و ربط المغرب بالمجالات الإفريقية جنوب الصحراء. و هكذا تبلورت مبكراً إحدى أهم خصائص الجغرافيا السياسية المغربية: الجمع بين الإنتماء المتوسطي و العمق الإفريقي، و كان أبرز ملوكها السلطان يوسف ابن تاشفين للمتي الصنهاحي.
– الموحدون و ذروة القوة الحضارية:
جاء الموحدون بعد المرابطين، و استطاعوا بدورهم بناء إمبراطورية واسعة إمتدت عبر المغرب الكبير و الصحراء و الأندلس.
و في عهدهم إزدهرت مراكش، كما شهدت العمارة و العمران و الفكر تطوراً كبيراً. و ترتبط بهذه المرحلة أسماء علمية و فكرية بارزة، من بينها ابن رشد و ابن طفيل و غيرهما.
و كانت الدولة الموحدية نموذجاً للدولة الأمة، دولة قوية ذات طموح إقليمي، إستطاعت أن تؤثر في مجريات الأحداث في الأندلس و المغرب الكبير Rex barbaria.
و من أبرز رموز هذه المرحلة صومعة الكتبية بمراكش، التي أصبحت شاهداً معمارياً على القوة الحضارية التي بلغها المغرب في العصر الوسيط و صومعة الخيرالدا في الأندلس و كان أبرز ملوكها الخليفة الموحدي يعقوب المنصور.
– المرينيون و فاس مركزاً للعلم و الثقافة:
بعد تراجع حكم السلالة الموحدية، ظهرت السلالة المرينية، التي إتخذت من فاس مركزاً رئيسياً لها.
و عرفت هذه المرحلة تطوراً في التعليم و بناء المدارس و المؤسسات الدينية، و أصبحت فاس واحدة من أهم مراكز العلم في الغرب الإسلامي.
كما ورث المرينيون barbaria regis الشرعية من أسلافهم المرابطيين و الموحدين في الدفاع عن الأندلس و محاولة وقف التوسع المسيحي، رغم أن الظروف السياسية و العسكرية في شبه الجزيرة الإيبيرية كانت تتجه تدريجياً لصالح الممالك المسيحية.
و مع ذلك، فإن الإرث المريني ظل حاضراً في العمارة و العلم و المؤسسات الدينية، و أسهم في ترسيخ مكانة فاس كعاصمة علمية و حضارية. غير الصراعات الداخلية لهذه السلالة اضعفت حكم المرينيين و سلطتهم التي ورثها الوطاسيين منهم.
– السعديون و الدفاع عن المغرب:
شهد المغرب في القرن السادس عشر صعود السلالة السعدية marrochorum regis، في وقت كان فيه المغرب يواجه أخطاراً خارجية متعددة، خصوصاً التوسع البرتغالي و الإسباني و العثماني على السواحل.
و قد إستطاع السعديون توحيد البلاد و تقوية السلطة المركزية، كما حققوا إنتصارات عسكرية مهمة.
و تُعد معركة وادي اللبن ضد الجيش العثماني و معركة وادي المخازن سنة 1578، المعروفة أيضاً بمعركة الملوك الثلاثة، من أبرز المحطات العسكرية في تاريخ المغرب. فقد إنتهت بانتصار الجيش المغربي على الجيش البرتغالي، و ساهمت في تعزيز مكانة المغرب السياسية في المنطقة.
كما شهد العهد السعدي إزدهاراً إقتصادياً و تجارياً، و برزت مظاهر عمرانية مهمة، من بينها قصر البديع في مراكش و ضم السودان إلى المغرب بعد إنتصار جيش المغاربة على جيش ملك صونغاي و كان أبرز الملوك السعديين السلطان أحمد المنصور الذهبي.
– الدولة العلوية و إستمرار الدولة الأمة بالمغرب:
مع وصول السلالة العلوية في القرن السابع عشر إلى الحكم، دخل المغرب مرحلة جديدة من إعادة توحيد البلاد و ترسيخ السلطة المركزية Moorish Empire.
و يُعد السلطان المولى إسماعيل من أبرز ملوك هذه المرحلة، إذ عمل على تقوية الدولة و الجيش، و تعزيز السلطة المركزية، و الدفاع عن البلاد في مواجهة القوى الخارجية.
و إستمرت السلالة العلوية عبر القرون التالية، و هو أمر بالغ الدلالة في تاريخ المغرب؛ فاستمرارية السلالة الحاكمة ساهمت في المحافظة على إستمرارية الدولة الأمة و مؤسساتها و رمزيتها السياسية و الحضارية و الهوياتية و التاريخية و الدينية.
و في القرن التاسع عشر واجه المغرب ضغوطاً أوروبية متزايدة، نتيجة التحولات الدولية و التوسع الاستعماري. و أصبحت المحافظة على إستقلال البلاد مهمة شديدة الصعوبة في ظل إختلال موازين القوى. معركة إسلي 1844 التي إنهزم فيها الجيش المغربي أمام الجيش الفرنسي الذي بدأ في إقتطاع الأراضي المغربية و إحتلالها تدريجيا. إحتلال جزر الجعفرية من قبل إسبانيا، حرب إفريقيا 1860 التي إنهزم فيها الجيش المغربي أمام إسبانيا. حرب مليلية 1893 التي إنهزمت فيها القبائل الريفية المغربية أمام التفوق العسكري الإسباني. إحتلال الإسبان لأقاليم الصحراء و سيدي إفني، الإنزال الفرنسي في الرباط 1902، حرب الروݣي بوحمارة في الريف 1905، معاهدة الجزيرة الخضراء سنة 1906، حرب مليلية الثانية أو حرب الريف الأولى 1909-1912 بقيادة المجاهد الشريف آمزيان، عام السيبة (حرب نشبت بين المواليين للسلطان المخلوع عبد العزيز و المواليين للسلطان الجديد عبد الحفيظ. حرب أحمد الهيبة و نهب مراكش 1912، حصار القبائل لمدينة فاس و إحراق باب بوجلود …).
– مرحلة الحماية و المقاومة:
دخل المغرب مرحلة الحماية الفرنسية سنة 1912، مع وجود منطقة نفوذ إسباني في الشمال و الجنوب و بعض المناطق الأخرى.
و رغم فرض نظام الحماية، لم تتوقف المقاومة المغربية. فقد شهدت مناطق مختلفة من البلاد مقاومات مسلحة و سياسية معارضة للإحتلال الأجنبي، و من أشهرها مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي في الريف، التي شكلت إحدى أبرز حركات المقاومة التحررية ضد الإستعمار في شمال إفريقيا و العالم.
كما ظهرت “الحركة الوطنية” و جيش التحرير في المغرب، التي في البداية طالبت بالإصلاح ثم بالاستقلال، و برزت شخصيات وطنية عديدة أسهمت في الدفاع عن وحدة البلاد و إستقلالها.
و كان للسلطان محمد الخامس دور محوري في الحركة الوطنية، حيث أصبح رمزاً للوحدة الوطنية، خاصة بعد نفيه سنة 1953، و ما ترتب على ذلك من تصاعد المقاومة الوطنية.
– الاستقلال و بناء المغرب الحديث:
إستعاد المغرب إستقلاله سنة 1956، و بدأت مرحلة جديدة تمثلت في بناء مؤسسات الدولة الحديثة و توحيد الإدارة و إعادة تنظيم الجيش و الإقتصاد و التعليم و إستكمال الوحدة الترابية للمملكة في محاولة إسترجاع الصحراء و موريتانيا.
و قد تولى الملك محمد الخامس قيادة مرحلة بناء الدولة بعد الإستقلال، ثم خلفه الملك الحسن الثاني سنة 1961.
و خلال عهد الحسن الثاني شهد المغرب تحولات سياسية و إقتصادية و إجتماعية عميقة، كما واجه تحديات كبرى، من بينها قضية الصحراء المغربية و المطالبة بإسترجاع سبتة و مليلية.
و تعد المسيرة الخضراء سنة 1975 من أبرز الأحداث في تاريخ المغرب الحديث، حيث شارك مئات الآلاف من المغاربة في مسيرة سلمية نحو الأقاليم الصحراوية، لتصبح المسيرة رمزاً وطنياً بارزاً في الذاكرة المغربية.
– عهد الملك محمد السادس و تجديد الدولة:
منذ إعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخل المغرب مرحلة جديدة إتسمت بإطلاق عدد من المشاريع و الإصلاحات و الأوراش الإقتصادية و الإجتماعية و المؤسساتية.
و قد ركز العهد الجديد على التنمية البشرية، و تحديث البنية التحتية، و تقوية الإقتصاد، و توسيع شبكات الطرق و الموانئ و القطارات و تفعيل الدولة الديمقراطية و حقوق الإنسان و الإعتراف الرسمي بالأمازيغية في دستور 2011، إضافة إلى مشاريع اجتماعية تهدف إلى تحسين ظروف المواطنين.
و من أبرز المشاريع التي طبعت هذه المرحلة تطوير ميناء طنجة المتوسط و ميناء الدولة و ميناء الناظور غرب المتوسط الذي عزز موقع المغرب في التجارة الدولية، و تطوير شبكة الطرق السيارة، و إطلاق القطار فائق السرعة الذي ربط طنجة بالقنيطرة ثم توسعت الشبكة لاحقاً.
كما شهد المغرب توسعاً في مشاريع الطاقات المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية و الريحية، في إطار توجه نحو تنويع مصادر الطاقة و تعزيز مكانة البلاد في الإقتصاد الأخضر.
و على المستوى الإجتماعي، أطلقت الدولة برامج متعددة لمحاربة الفقر و الهشاشة و تحسين الخدمات الصحية و التعليمية، كما شهدت السنوات الأخيرة توسيع برامج الحماية الإجتماعية.
الوحدة الترابية قضية وطنية:
تحتل قضية الصحراء مكانة مركزية في السياسة المغربية المعاصرة، و يعتبر المغرب أن الصحراء جزء من وحدته الترابية.
و قد تبنى المغرب خلال العقود الأخيرة مقاربة تقوم على التنمية الإقتصادية و الإجتماعية الاجتماعية للأقاليم الجنوبية، إلى جانب التحرك الدبلوماسي الدولي.
و تحولت الأقاليم الجنوبية إلى مجال لمشاريع بنية تحتية و إستثمارات متعددة، في إطار سياسة الدولة الهادفة إلى تعزيز التنمية و الإندماج الإقتصادي.
و في هذا السياق، أصبحت الدبلوماسية المغربية خلال عهد الملك محمد السادس أكثر نشاطاً في إفريقيا، كما تعززت العلاقات المغربية مع عدد من الدول الإفريقية و العربية و الأوروبية و غيرها.
المغرب و إفريقيا:
لم يكن إرتباط المغرب بإفريقيا جديداً؛ فقد كانت الروابط القبلية و القوافل التجارية و الطرق الصوفية و العلاقات السياسية و العلمية تربط المغرب ببلدان غرب إفريقيا منذ قرون.
و قد أعاد المغرب في العصر الحديث تقوية هذا العمق الإفريقي، خصوصاً خلال عهد الملك محمد السادس، من خلال الزيارات الملكية المتعددة للدول الإفريقية، و الإستثمارات و الشراكات الإقتصادية، و التعاون في مجالات الأمن و التكوين الديني و الصحة و الفلاحة و البنية التحتية و تنظيم الهجرة.
و تعكس هذه السياسة إدراكاً لأهمية الموقع الجغرافي للمغرب بإعتباره حلقة وصل بين أوروبا و إفريقيا و العالم .
الهوية المغربية و تنوع روافدها:
من أهم عناصر قوة الدولة المغربية قدرتها على إحتضان مكونات متعددة داخل هوية وطنية واحدة.
فالهوية المغربية تجمع بين المكون الأمازيغي و الروافد الإسلامي و العربي و الإفريقي و الأندلسي و المتوسطي، و هي عناصر تفاعلت عبر قرون طويلة لتنتج شخصية مغربية متميزة.
و قد أكد دستور 2011 على التعدد الثقافي و اللغوي للمغرب، و على مكانة اللغة الأمازيغية بإعتبارها لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.
و هذا التنوع ليس بالضرورة مصدر إنقسام، بل يمكن أن يكون مصدر قوة عندما يتم التعامل معه بإعتباره جزءاً من التاريخ المتراكمة و المشترك للأمة.
من الدولة التاريخية إلى الدولة الحديثة:
إذا نظرنا إلى تاريخ المغرب الممتد من العصور القديمة إلى العصر الحديث، نجد أن مفهوم الدولة مر بتحولات كبيرة.
فالدولة القديمة كانت تقوم على أنظمة ملكية و مجالات نفوذ مختلفة، بينما تطورت في العصر الإسلامي إلى مملكة ذات مؤسسات سياسية و دينية و عسكرية و إدارية، ثم انتقلت في العصر الحديث إلى دولة ذات دستور و مؤسسات منتخبة و مجتمع مدني و إدارة حديثة و أمن قومي و إقتصاد متنوع.
لكن رغم هذه التحولات، بقيت بعض العناصر ثابتة، و على رأسها مركزية الملكية و إستمرارية الدولة الأمة و إمارة المؤمنين و الإرتباط التاريخي بالسيادة الوطنية و إستكمال الوحدة الترابية.
و هنا تكمن إحدى أهم خصائص التجربة المغربية: القدرة على الجمع بين الإستمرارية و التغيير.
أمجاد الأمة ليست ماضياً فقط:
إن أمجاد المغرب لا ينبغي أن تُفهم بإعتبارها ذكريات تاريخية نعيش عليها، بل بإعتبارها مسؤولية تجاه المستقبل.
فالأجداد بنوا المدن، و أقاموا المدارس، و دافعوا عن البلاد، و خاضوا معارك الإستقلال، و أسسوا الدولة الحديثة. أما الجيل الحالي فعليه أن يواصل البناء من خلال العلم و العمل و الإبداع و الإلتزام بالمواطنة.
فالمغرب الذي إستطاع عبر التاريخ أن يصمد أمام التحولات الكبرى، يحتاج اليوم إلى الإستثمار في الإنسان المغربي، و التعليم، و البحث العلمي، و الإقتصاد، و التكنولوجيا، و الثقافة، و حماية البيئة و الموروث التاريخي، و تعزيز العدالة الإجتماعية و الديمقراطية التشاركية.
و القوة الحقيقية للدولة في العصر الحديث لا تقاس فقط بمساحتها أو ثرواتها، و إنما أيضاً بقدرتها على تعليم أبنائها، و تحقيق التنمية المستدامة، و حماية مؤسساتها و تعزيز المكاسب الديمقراطية، و تحقيق الإستقرار، و توفير فرص العمل، و الإنفتاح على العالم دون التفريط في هويتها الوطنية.
الخاتمة:
من الممالك الموريطانية القديمة، التي يمثل الملك الموري باݣا أحد الأسماء المرتبطة بها في التاريخ القديم، إلى الدولة المغربية الحديثة في عهد جلالة الملك محمد السادس، يمتد خيط طويل من الاستمرارية و التحول.
لقد عرف المغرب فترات قوة و إزدهار، كما مر بأزمات و صراعات و ضغوطات خارجية، لكنه إستطاع في كل مرة أن يعيد بناء نفسه و يحافظ على شخصيته السياسية و الحضارية.
و من تازوضا و وليلي و فاس و مراكش إلى الرباط و طنجة و الدار البيضاء، و من جبال الريف و الأطلس إلى الصحراء المغربية، تشكلت عبر القرون ذاكرة وطنية مشتركة صنعتها السلالات الملكية المتعاقبة، و العلماء، و الجنود، و المقاومون، و الفلاحون، و الحرفيون، و التجار، و البحارة، و كل الأجيال التي ساهمت في بناء المغرب.
إن الحديث عن أمجاد الدولة الأمة المغربية هو في النهاية حديث عن الإستمرارية: إستمرارية الأمة و الدولة، و إستمرارية الهوية، و إستمرارية التطلع إلى المستقبل.
و إذا كان التاريخ قد منح المغرب إرثاً عظيماً، فإن مسؤولية الحاضر تتمثل في تحويل هذا الإرث إلى قوة لبناء المستقبل؛ فالأمجاد الحقيقية لا تكتمل بمجرد الإحتفاء بالماضي، و إنما تتحول إلى مجد متجدد عندما ينجح أبناء الوطن في صناعة مستقبل أكثر علماً و عدلاً و إزدهاراً و إستقراراً.
و هكذا يبقى المغرب، من عصور الممالك المورية الأمازيغية القديمة إلى الدولة الحديثة، شاهداً على قدرة أمة عريقة على التكيف مع الزمن، و المحافظة على هويتها، و تجديد مؤسساتها، و مواصلة مسيرة بناء دولة قومية قوية و مستقرة و متطلعة إلى المستقبل.
Add a Comment