أمنوس . ما : الناظور
مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية 2021–2026، تبرز حصيلة النائب البرلماني عن دائرة الناظور محمد أبرشان، باعتبارها واحدة من التجارب التي اختارت أن تجعل من المؤسسة التشريعية فضاءً للترافع عن قضايا الإقليم، سواء من خلال الأسئلة البرلمانية أو اللقاءات المباشرة مع المسؤولين والقطاعات الحكومية.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد بلغ مجموع الأسئلة التي تقدم بها أبرشان خلال الولاية الحالية 92 سؤالاً شفوياً، إلى جانب 62 سؤالاً كتابياً، وهي حصيلة تعكس حضوراً متواصلاً داخل المؤسسة التشريعية، ومحاولة لإثارة عدد من الملفات والقضايا التي تهم الناظور وساكنته.
لم يقتصر حضور أبرشان على توجيه الأسئلة البرلمانية، بل شمل أيضاً عقد لقاءات مع مسؤولين في قطاعات مختلفة، بهدف نقل انتظارات ومطالب الإقليم، وطرح الملفات التي تحتاج إلى تدخل حكومي أو مؤسساتي.
هذا النوع من الترافع، الذي يجمع بين السؤال البرلماني والاتصال المباشر بالمسؤولين، يعكس تصوراً للعمل النيابي لا يتوقف عند حدود مراقبة الحكومة من داخل البرلمان، وإنما يمتد إلى محاولة فتح قنوات مباشرة مع مختلف القطاعات المعنية بقضايا المنطقة.
ومن بين الملفات التي تشكل عادةً صلب الترافع البرلماني عن الأقاليم، قضايا البنيات التحتية، والصحة والتعليم والتشغيل، والنقل، والاستثمار، والماء، والطرق، إضافة إلى الملفات المرتبطة بالتنمية المحلية والعدالة المجالية.
لكن ما ميز تجربة الاتحادي أبرشان، حسب متابعي أدائه البرلماني، لم يكن فقط عدد الأسئلة التي طرحها، وإنما اللغة التي اختار أن يخاطب بها المؤسسة التشريعية والرأي العام.
ففي عدد من تدخلاته، لجأ إلى استعمال الأمازيغية، وبأسلوب قريب من اللغة اليومية المتداولة في منطقة الريف، بعيداً عن الخطاب السياسي التقليدي شديد الرسمية.
فحين يتحدث النائب بلسان المواطن الريفي، وبالتعابير التي يسمعها المواطن في الشارع والمقهى والسوق والبيت، تصبح الرسالة أكثر قرباً من المتلقي، ويشعر المواطن بأن مشاكله تُنقل إلى البرلمان بلغته وبتعابيره الخاصة.
وهنا تحولت الأمازيغية، بالنسبة لأبرشان، من مجرد وسيلة للتواصل إلى أداة للترافع السياسي واستحضار الهوية الثقافية واللغوية للمنطقة داخل مؤسسة وطنية.
ومن أبرز ما يُستحضر في مسار محمد أبرشان البرلماني، حديثه بالأمازيغية داخل البرلمان في فترة سبقت التنصيص الدستوري الرسمي على الأمازيغية كلغة رسمية للمملكة.
وهو معطى يمنح هذه التجربة دلالة خاصة، بالنظر إلى أن استعمال الأمازيغية في الفضاء البرلماني لم يكن آنذاك أمراً مألوفاً بالشكل الذي أصبح عليه لاحقاً.
وبالنسبة لمن يتابعون مسار أبرشان، فإن الحديث بالأمازيغية لم يكن استعراضاً لغوياً، وإنما كان محاولة لإيصال قضايا الريف إلى المؤسسة التشريعية باللغة التي يفكر ويتحدث بها جزء كبير من سكان المنطقة.
لقد اختار أن يتحدث “بلغة أهل الريف”، وهو ما جعل بعض تدخلاته تصل إلى الجمهور بسهولة أكبر، لأن المواطن لم يكن بحاجة إلى ترجمة سياسية للرسالة؛ فالرسالة كانت تصل إليه بلغته اليومية.
في البرلمان، اعتاد المواطن المغربي على سماع خطاب سياسي تحكمه المصطلحات المؤسساتية والقانونية والسياسية.
لكن أبرشان اختار في لحظات معينة كسر هذا النمط، والانتقال إلى لغة أقرب إلى الشارع الريفي.
وهذه النقطة تحديداً يمكن أن تفسر جانباً من حضوره في الذاكرة السياسية المحلية؛ إذ إن النائب لم يكن يتحدث فقط عن المواطن، بل حاول أن يتحدث بصوت المواطن وباللغة التي يعرفها المواطن.
فالحديث عن مشاكل البطالة أو الصحة أو الإدارة أو البنية التحتية، حين يتم بلغة المواطن نفسه، يمكن أن يجعل الخطاب أكثر مباشرة وأقل مسافة بين النائب والناخب.
حصيلة بالأرقام.. وأداء يقاس أيضاً بالأثر
92 سؤالاً شفوياً و62 سؤالاً كتابياً تشكل جزءاً مهماً من حصيلة الولاية، لكنها في الوقت نفسه ليست المعيار الوحيد للحكم على أداء البرلماني.
فالعمل النيابي يُقاس أيضاً بمدى ارتباط الأسئلة والملفات المطروحة بانشغالات المواطنين، وبحجم التفاعل الحكومي معها، وبقدرة النائب على متابعة الملفات بعد إثارتها، فضلاً عن الحضور في اللجان البرلمانية واللقاءات المؤسساتية والترافع المباشر.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة أبرشان قائمة على ثلاث واجهات متكاملة: الحضور داخل البرلمان، والترافع المباشر لدى المسؤولين، واستعمال لغة محلية قريبة من المواطن.
بين 2021 و2026، كانت دائرة الناظور أمام عدد من التحديات والانتظارات، من بينها الحاجة إلى تسريع التنمية، وتقوية البنيات والخدمات العمومية، وتحسين فرص الاستثمار والتشغيل، وتعزيز موقع الإقليم اقتصادياً واجتماعياً.
وفي هذا السياق، حاول أبرشان أن يجعل من موقعه داخل المؤسسة التشريعية منصة لطرح جزء من هذه الانشغالات.
وبغض النظر عن المواقف السياسية من الرجل أو من تجربته، فإن استعمال الأمازيغية داخل البرلمان، والانتقال من لغة الخطاب السياسي التقليدي إلى لغة أقرب إلى المواطن، يظل أحد أبرز ملامح تجربته.
وفي النهاية، فإن تقييم الحصيلة البرلمانية لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الأسئلة، وإنما عند سؤال أكبر:
هل استطاع النائب أن يجعل صوت الناظور مسموعاً داخل البرلمان، وأن يحول هذا الصوت إلى مطالب وملفات وترافع مؤسساتي؟
أما الأرقام، فتقول إن أبرشان طرح خلال الولاية 154 سؤالاً برلمانياً، فيما تقول التجربة السياسية إن جزءاً من بصمته ارتبط أيضاً باللغة التي اختار أن يتحدث بها؛ لغة الريف، لغة المواطن، ولغة جعلت من الأمازيغية حاضرة داخل المؤسسة التشريعية قبل أن تصبح رسمية دستورياً.
Add a Comment