أمنوس . ما : من إعداد الاستاذ عمر شريق
بورتريهات من بني أنصار–فرخانة
الحلقة الرابعة
حين نتحدث عن الذاكرة الفنية لجماعة بني أنصار–فرخانة، لا يمكن أن نمر مرور الكرام على أسماء فنانين عصاميين صنعوا لأنفسهم مكانة خاصة في وجدان الناس، بعيدًا عن الأضواء والشهرة الإعلامية، لكنهم تركوا أثرًا لا يُمحى في ذاكرة الأجيال.
ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم الراحل أحمد المونسي، المعروف لدى أبناء المنطقة بـ«أحمذ انقايطي»، رحمه الله، أحد أبناء بني أنصار الذين ارتبط اسمهم بالغناء والفن الشعبي لعقود من الزمن.
كان الراحل حافظًا لكتاب الله، وقد تلقى تعليمه بالمعهد الديني بتطوان، قبل أن يعود إلى المنطقة التي تربى وترعرع فيها، ويحمل معه موهبة فنية بدأت ملامحها تظهر منذ سن مبكرة.
كان أحمد المونسي فنانًا بالفطرة، عصامي التكوين، شق طريقه في عالم الفن بجهده وموهبته، دون أن يتكئ على مؤسسات فنية أو مدارس موسيقية. وفي ستينيات القرن الماضي، تمكن من تسجيل أولى أغانيه بمدينة الدار البيضاء، في مرحلة كانت فيها عملية تسجيل الأغاني أمرًا ليس بالهين بالنسبة لفنان شاب قادم من منطقة حدودية بعيدة عن المراكز الفنية الكبرى.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمه بالأعراس والحفلات والمناسبات الاجتماعية في فرخانة وبني أنصار، وظل لعقود حاضرًا في الحياة الفنية المحلية، يغني للناس ويشاركهم أفراحهم ومناسباتهم.
ولم يقتصر صيته على بني أنصار وفرخانة، بل امتد إلى مناطق واسعة من الريف والجهة الشرقية، حيث عرفه جمهور واسع من محبي الفن الشعبي، وأصبح اسمه جزءًا من المشهد الفني المحلي في تلك المرحلة.
لكن أحمد المونسي لم يكن مجرد فنان يؤدي الأغاني في الأعراس والحفلات؛ فقد كان، بشهادة من عرفوه، إنسانًا عصاميًا محبًا للخير والسلام، قريبًا من الناس ومحبوبًا بينهم.
كان يغني للحياة، وللطبيعة، وللإنسان، وللحب والسلام، وكانت أغانيه تعكس جانبًا من روح المجتمع الذي عاش فيه، وتحمل في طياتها مشاعر وأحاسيس أجيال عاشت مرحلة مختلفة من تاريخ بني أنصار وفرخانة والريف.
لقد كان الفن بالنسبة إليه أكثر من مجرد مهنة أو وسيلة لكسب العيش؛ كان جزءًا من حياته ووسيلته للتعبير عن ذاته وعن علاقته بالناس والمكان والطبيعة.
وعندما غادر أحمد المونسي هذه الدنيا، لم يكن رحيله مجرد فقدان لفنان محلي، بل كان غيابًا لجزء من الذاكرة الفنية والاجتماعية للمنطقة.
لقد ترك موته أثرًا بالغًا في نفوس ساكنة بني أنصار وفرخانة، لأنه كان محبوبًا عند الجميع، ولأن حضوره ارتبط بذكريات جميلة لدى أجيال عديدة عايشته، واستمعت إلى صوته، والتقت به في الأفراح والمناسبات.
رحم الله الفنان العصامي أحمد المونسي «أحمذ انقايطي»، الذي اختار أن يترك بصمته في ذاكرة الناس بصوته وفنه وإنسانيته.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه الوجوه، تبقى أسماء مثل أحمد المونسي شاهدة على مرحلة من تاريخنا الفني والاجتماعي، وتبقى أغانيه وذكراه جزءًا من الذاكرة الجماعية لبني أنصار–فرخانة.
رحم الله أحمذ انقايطي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من فن وذكرى طيبة شاهدًا له لا عليه.
Add a Comment