بقلم : بغداد أهواري
منذ أن بدأت أعيش في كتالونيا، لفت انتباهي أمر أراه جديرًا بالتأمل: الاعتزاز الكبير الذي يكنّه كثير من الكتلانيين للغتهم، الكتلانية.
كتالونيا ليست مجرد منطقة داخل إسبانيا، بل هي مجتمع له تاريخ وثقافة وهوية ولغة خاصة به. وفي الوقت نفسه، كانت كتالونيا عبر تاريخها أرضًا لاستقبال أشخاص قدموا من مناطق ومجتمعات مختلفة، وأسهموا مع مرور الزمن في بناء المجتمع الكتلاني.
وهذه الثنائية — الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخرين — هي التي تجعل التجربة الكتلانية مثيرة للاهتمام.
فالكتلاني الذي تجده يتقن أكثر من لغة، وقد يتحدث الإسبانية والفرنسية والإنجليزية وغيرها، قد يصر مع ذلك على استعمال لغته الأم، الكتلانية، في حياته اليومية. وأحيانًا، حتى عندما يكون متأكدًا من أن الشخص الذي أمامه يفهم الإسبانية، يستمر في الحديث بالكتلانية.
ومن وجهة نظري، لا ينبغي أن يُفهم ذلك بالضرورة على أنه رفض للآخر أو عدم رغبة في التواصل معه، بل يمكن أن يكون تعبيرًا بسيطًا عن التمسك باللغة والهوية.
فاللغة لا تبقى حية فقط لأنها موجودة في القوانين والمؤسسات، وإنما لأنها تُستعمل في الحياة اليومية، في البيت، وفي الشارع، وفي المدرسة، وفي العمل، وبين الأصدقاء والأجيال.
وهنا أتوقف عند نقطة أعتبرها مهمة جدًا.
إذا كانت كتالونيا قد كانت تاريخيًا أرض استقبال، فإن المجتمع الكتلاني اليوم أصبح أكثر تنوعًا من أي وقت مضى. يعيش فيه أشخاص قدموا من المغرب، ومن بلدان عربية وأفريقية وأوروبية وأمريكية وآسيوية مختلفة، ويحمل كل واحد منهم لغته وثقافته وذكرياته وتجربته الخاصة.
وهذا التنوع لا ينبغي أن يكون تهديدًا للغة الكتلانية، بل يمكن أن يكون فرصة جديدة لها.
فالشخص الذي يصل إلى كتالونيا ويتعلم الكتلانية لا يفقد لغته الأصلية. المغربي الذي يتعلم الكتلانية لا يتخلى عن العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية. بل يضيف لغة جديدة إلى رصيده الثقافي والإنساني.
وهنا أعتقد أن قوة اللغة لا تكمن فقط في قدرتها على الحفاظ على ماضيها، وإنما أيضًا في قدرتها على كسب متحدثين جدد.
فاللغة التي يتعلمها القادم الجديد، ويستعملها في حياته اليومية، تصبح بالنسبة إليه أكثر من مجرد لغة: تصبح جسرًا نحو المجتمع الذي يعيش فيه.
لكن هذا الجسر يحتاج إلى طرفين: شخص يريد أن يتعلم، ومجتمع مستعد لأن يفتح له الباب.
ولهذا، فإن الاعتزاز بالكتلانية والانفتاح على القادمين الجدد ليسا فكرتين متناقضتين.
يمكن للكتلاني أن يعتز بلغته، وأن يستمر في استعمالها والدفاع عنها، وفي الوقت نفسه أن يساعد الآخرين على اكتشافها وتعلمها واستعمالها.
كما يمكن للمهاجر أن يحافظ على لغته وثقافته وأصوله، وفي الوقت نفسه أن يصبح متحدثًا جديدًا بالكتلانية ومشاركًا في المجتمع الذي اختار أن يعيش فيه.
لقد علمتني تجربتي في كتالونيا أن الاندماج لا يعني أن يمحو الإنسان ماضيه، وإنما أن يضيف إلى هويته أبعادًا جديدة.
ولذلك أرى أن مستقبل كتالونيا يمكن أن يكون في الجمع بين أمرين: لغة كتلانية قوية، حية ومحبوبة، ومجتمع منفتح يستطيع أن يجعل هذه اللغة لغة مشتركة بين أشخاص ينحدرون من أصول وثقافات متعددة.
كتالونيا أرض استقبال، واللغة الكتلانية جزء أساسي من هويتها.
وإذا استطاعت هذه اللغة أن تنتقل من جيل إلى جيل، وأن تفتح في الوقت نفسه أبوابها أمام متحدثين جدد، فإنها لن تحافظ على ماضيها فقط، بل ستبني مستقبلها أيضًا.
فاللغة لا تفقد هويتها عندما يشاركها الآخرون؛ بل قد تكتسب بهم حياة جديدة.
Add a Comment