بقلم : محمد الحدوشي
ما صدر عن لاعب كرة قدم عقب فوز فريقه في مباراة تنافسية لم يكن مجرد تصرّف غير محسوب في لحظة انفعال، بل كان إساءة رمزية ثقيلة الدلالة، استهدفت مشجعًا محترمًا جسّد، طيلة أطوار المباراة، حركة تاريخية مرتبطة بزعيم تحرري اغتيل لأنه اختار الاستقلال والكرامة لشعبه. هنا لا نتحدث عن استفزاز رياضي عابر، بل عن سقوط أخلاقي مكتمل الأركان.
فالاحتفال بالفوز، في منطق الرياضة، يفترض أن يكون تعبيرًا عن التفوق الفني والروح الجماعية والاحترام المتبادل. غير أن تحويله إلى منصة للسخرية والإهانة، خصوصًا حين تمس رمزًا من رموز التضحية والتحرر، يكشف عن فراغ قيمي أكبر من اللاعب نفسه، ويضعنا أمام خلل عميق في التربية الرياضية والإعلامية معًا.
المشجع الذي اختار أن يعبّر عن ذاكرة تاريخية مؤلمة ونبيلة، لم يعتدِ على أحد، ولم يخرج عن إطار التشجيع السلمي. ومع ذلك، وجد نفسه هدفًا لإهانة علنية، قُدّمت في صورة رد فعل أو مزحة، ثم جرى تبريرها أو التخفيف من حدّتها في بعض المنابر، وكأن احترام الرموز الإنسانية أصبح عبئًا، وكأن الاستفزاز صار جزءًا مشروعًا من الفرجة.
الأخطر من الفعل نفسه هو الصمت المؤسسي والإعلامي الذي تلاه، أو محاولات تمييعه بدعوى أن الرياضة لا تتحمل أكثر مما تحتمل. لكن الحقيقة أن الرياضة، حين تفقد بعدها القيمي، تتحول إلى مجرد مسرح للغرائز، وتفقد قدرتها على التقريب بين الشعوب وبناء المعنى المشترك.
إن اللاعب، مهما بلغت شهرته، ليس فوق القيم، ولا فوق التاريخ، ولا فوق المسؤولية الرمزية التي يفرضها عليه ظهوره أمام الملايين. والاحتفاء الأعمى بمثل هذه التصرفات، أو التساهل معها، هو تشجيع مباشر على الرداءة، ورسالة سلبية مفادها أن الإساءة طريق مختصر للظهور، وأن التفاهة باتت عملة رائجة في المشهد العام.
وما يزيد المشهد قتامة أن هذا الانحدار لم يعد حكرًا على الملاعب. فقد تسلّل إلى الإعلام، والفن، والمنصات الرقمية، بل وحتى بعض القنوات الدولية التي كانت تُحسب على الجدية، حيث يُمنح الميكروفون لمن يثير الجدل لا لمن يضيف معنى، ويُكافَأ الصخب لا المسؤولية.
إن الإهانة التي وُجّهت لذلك المشجع لم تكن موجهة لشخصه فقط، بل لمعنى أعمق، لمعركة التحرر، لذاكرة الشعوب، وللقيم التي يفترض أن تظل خارج منطق السخرية الرخيصة. وعندما يُترك هذا السلوك دون مساءلة واضحة، فإننا لا نبرر حادثة، بل نؤسس لانهيار معياري طويل الأمد.
إن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تبدأ حين يُسمح للتفاهة بأن تتكلم باسمها، وللإساءة بأن تُقدَّم على أنها شجاعة. وحينها، لا يكون السؤال: من أساء؟ بل: من سمح لهذا السلوك أن يصبح جزءًا من المشهد؟




Add a Comment