بقلم :محمد الحدوشي
المغربي قد يدخل في حرب دبلوماسية مع شركة حليب، ويشنّ ثورة إلكترونية ضد قنينة ماء معدني، ويكتب عشرات المنشورات عن المقاطعة والمبادئ والسيادة الغذائية، وقد يخاصم صديق عمره بسبب السياسة أو كرة القدم أو تعليق مستفز على “فيسبوك”، لكنه حين يقترب عيد الأضحى يتحول فجأة إلى خبير استراتيجي في سلالات الأكباش، ومحلل اقتصادي في أسعار “الصردي” و”البركي”، وعالم اجتماع يشرح لك الفرق بين خروف “واقف مزيان” وخروف “فيه غير النفخ”.
في المغرب، لا يمكن فهم المجتمع عبر الدستور، ولا عبر نتائج الانتخابات، ولا عبر تقارير البنك الدولي، بل عبر شيء واحد فقط:
علاقة المغربي بالخروف.
إنه الكائن الوحيد الذي يهزم المقاطعة، ويسقط الشعارات، ويجعل المواطن الذي قضى السنة كلها يلعن الغلاء والفقر والرأسمالية المتوحشة، يتحول فجأة إلى صياد أكباش محترف، يركض خلف الكبش كما يركض المنقبون عن الذهب خلف آخر قطعة في المنجم.
والمثير في الأمر أن المغربي، مهما ادعى العقلانية، يصبح هشًّا أمام “البعبعة”.
تذوب صلابته دفعة واحدة.
ويتحول ذلك الرجل الذي كان قبل أيام يناقش الأزمة الاقتصادية ويدعو إلى التقشف، إلى كائن تحركه غريزة قديمة لا تفسير لها.
يكفي أن يسمع صوت خروف في زقاق بعيد حتى ينتبه قلبه قبل أذنيه.
شيء غامض يتحرك داخله.
شيء يشبه الحنين البدوي القديم.
أو الخوف العميق من أن يمر العيد ناقصًا.
ولهذا يذهب.
يذهب المغربي إلى السوق كما يذهب المحارب إلى معركته الأخيرة.
وجهه متجهم.
جيبه فارغ.
راتبه منهك.
لكنه يدخل سوق المواشي بثقة مستثمر خليجي جاء لعقد صفقة تاريخية.
يفتح فم الكبش.
يفحص الأسنان.
يتحسس الظهر.
يتأمل القرون بعين خبير آثار يكتشف قطعة فرعونية نادرة.
أما البائع، فيحدق فيه بثقة رجل يعرف أن أمامه زبونًا قد يفاوض طويلًا، وقد يتظاهر بالانسحاب، وقد يردد عشر مرات:
“غالي بزاف هاد العام…”
لكنه في النهاية سيعود.
وفي المغرب، لا أحد يبحث في الخروف عن المنطق أو الضرورة أو حتى القدرة الشرائية.
المهم أن تكون قرونه ملتوية بطريقة توحي بالهيبة وأن يكون له حضور يفرض الاحترام في الزنقة، وأن يقف أمام البيت بكبرياء كأنه أحد أعيان الحي، وأن يمنح لصاحبه ذلك الشعور الغامض بالنصر وهو يراه مربوطًا أمام الجيران، يتبختر بقرونه وكأنه يعرف جيدًا أنه أصبح حديث الحومة كلها
والمغربي الذي يقضي السنة يفاوض البقال على درهمين في “الدانيت”، يتحول في موسم العيد إلى رجل أعمال كبير، يهمس للبائع:
“شحال آخر الثمن ؟”
وحين يسمع الثمن، يضع يده على قلبه، يترنح قليلًا، وكأن البنك المركزي المغربي اهتز من الأعماق، ثم يقول العبارة التاريخية:
“دير شي تسهيلات خويا… راه غير عيد.”
لكن المغربي لا يشتري خروفًا فقط.
إنه يشتري سيناريو كاملًا.
يشتري رائحة الشواء.
وصوت السكاكين.
ومعركة “بولفاف”.
والأطفال وهم يطاردون الكبش في الزنقة.
والأب الذي يتحول فجأة إلى جزار دولي يحمل السكين وكأنه داخل فيلم تاريخي.
حتى الذين يتحدثون طوال السنة عن الحداثة والرفق بالحيوان، يسقطون أمام أول “بعبعة”.
المثقف الذي كان يناقش البيئة والتوازن الإيكولوجي قبل أسبوع، تجده صباح العيد يحمل الكبد الملفوف بالشحم ويقول بخشوع:
“الصراحة… البولفاف شعيرة حضارية.”
وفي المغرب، قد يتأخر الرجل في أداء واجب الكراء، لكنه يستحيل أن يتأخر عن شراء الخروف.
قد يبيع هاتفه.
وقد يرهن سيارته.
وقد يبيع الثلاجة نفسها التي كان ينوي أن يملأها بلحم الكبش.
ثم تبدأ عمليات التمويل الدولية:
اتصال إلى فرنسا.
رسالة صوتية إلى بلجيكا.
نداء استغاثة إلى هولندا.
“خويا… غير تعاون معايا حتى يدوز العيد.”
فتتحول العائلة إلى صندوق نقد دولي لإنقاذ “الاقتصاد الكبشي” المحلي.
لكن الكارثة الحقيقية لا تبدأ مع غلاء الأسعار…
بل عندما تعود إلى البيت بلا خروف.
هنا تنتهي الفلسفة كلها.
الزوجة التي تحملت معك الفقر والكراء وتقلبات الحياة، تنظر إليك تلك النظرة التي لا توجد حتى في محاكم الجنايات، ثم تسألك:
“فينو الحولي؟”
في تلك اللحظة تدرك أن السلام الأسري في المغرب مرتبط عضويا بكبش العيد.
قد تغفر لك الزوجة نسيان عيد ميلادها.
وقد تصبر على انقطاع الماء والكهرباء.
لكن أن تدخل البيت بلا خروف؟
فهذه خيانة عظمى.
الأطفال يحدقون فيك بخيبة وطنية.
الحماة تستعد لإصدار بيان شديد اللهجة.
والبيت كله يدخل في أزمة دبلوماسية قد تنتهي بمغادرة الزوجة إلى بيت أهلها وبدء مفاوضات مصالحة تحت إشراف أطراف محايدة.
ثم تأتي الفضيحة الكبرى…
أن تشتري الخروف… ثم يهرب منك.
هنا لا نتحدث عن حادث عادي.
بل عن انهيار اجتماعي كامل.
تركض خلفه في الأزقة.
والأطفال يصورون.
والجيران يضحكون.
وشخص ما يكتب على فيسبوك:
“عاجل… فرار كبش من قبضة مواطن منهار نفسيًا.”
وفي ساعات قليلة تصبح “ترند”.
تظهر في فيديوهات مصحوبة بموسيقى حماسية وعناوين من قبيل:
“مطاردة هوليودية بين مغربي وحوله الهارب.”
وسيظل الناس يتذكرونك سنوات:
“هذاك هو اللي هرب ليه الحولي.”
والمغربي قد ينسى رسوبه الدراسي، وقصة الحب الفاشلة، وسنوات البطالة، لكنه لا ينسى أبدًا سنة بقي فيها بلا خروف.
إنها وصمة اجتماعية.
وجرح نفسي.
وذكرى سوداء لا تشفى.
ثم يمر العيد.
المجمد ممتلئ.
ورائحة الشواء عالقة في البيت.
والأم توزع اللحم على الأقارب وكأنها تدير مخزونًا استراتيجيًا للدولة.
ويظل المغربي يتحدث عن خروفه شهرًا كاملًا:
“الحولي ديالي كان واقف مزيان.”
“الحولي ديالي كان فيه اللحم.”
“الحولي ديالي حتى الجيران تصدمو من الحجم.”
وفي النهاية، قد يختلف المغاربة في السياسة، وفي الكرة، وفي الانتخابات، وفي كل شيء…
لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة.
يمكن للمغربي أن يقاطع العالم كله…
إلا ذلك الكائن الصوفي الذي يمشي على أربع ويقول: “مباااع”.
وعيدكم مبارك سعيد.
Add a Comment