بقلم الاستاذ بغداد أهواري *
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب، المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة سؤال قديم ومتجدد:
أين يوجد الأشخاص في وضعية إعاقة في المشهد السياسي والانتخابي؟
السؤال ليس متعلقًا فقط بعدد الأشخاص في وضعية إعاقة الذين سيدلون بأصواتهم يوم الاقتراع، وإنما يتعلق بمفهوم أوسع بكثير:
هل يُنظر إلى الشخص في وضعية إعاقة باعتباره مواطنًا كامل الحقوق، له حق التصويت والترشح والمشاركة في صناعة القرار، أم باعتباره فقط فئة اجتماعية تحتاج إلى المساعدة؟
الفرق بين النظرتين كبير.
فالشخص في وضعية إعاقة لا يريد صدقة سياسية، ولا يريد أن تتذكره الأحزاب فقط عندما تقترب الانتخابات.
إنه يريد سياسة عمومية تحترم كرامته وحقوقه واستقلاليته.

الاستاذ بغداد أهواري
حين تصبح الانتخابات اختبارًا حقيقيًا للديمقراطية….
الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يذهبون إلى صناديق الاقتراع.
بل تقاس أيضًا بقدرة كل مواطن، مهما كانت وضعيته، على ممارسة حقه السياسي بشكل مستقل وآمن وكريم.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه قبل 23 شتنبر ليس:
كم شخصًا في وضعية إعاقة سيصوت؟
بل:
هل وفرت الدولة والأحزاب والسلطات المحلية الشروط التي تمكنه من التصويت؟
فوجود اسم الناخب في اللوائح الانتخابية لا يعني بالضرورة أن حقه أصبح قابلًا للممارسة فعليًا.
قد يكون الناخب مسجلًا، لكنه يواجه درجًا عند باب مكتب التصويت.
وقد يكون المكتب في طابق لا يستطيع الوصول إليه.
وقد تكون الممرات ضيقة.
وقد لا توجد إشارات واضحة.
قد لا يجد وسائل النقل التي تناسب حالته الصحية التي ستنقله إلى مكاتب الاقتراع …
وقد يواجه الشخص الكفيف صعوبة في الوصول إلى المعلومات الانتخابية أو استعمال وسائل التصويت باستقلالية.
وقد يحتاج شخص آخر إلى مساعدة، بينما ينبغي أن تكون هذه المساعدة محترمة لكرامته وسرية اختياره.
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام حق قانوني فقط، أم أمام حق قابل للممارسة فعليًا؟
المكتب الانتخابي ليس مجرد غرفة:
من الخطأ اختزال الولوجية في وضع منحدر أمام الباب.
الولوجية الانتخابية منظومة كاملة تشمل الوصول إلى مكان التصويت، الدخول إليه، الحركة داخله، الوصول إلى مكان التصويت، فهم المعلومات، وإتمام العملية في ظروف تحفظ الاستقلالية والسرية والكرامة.
وتشير مبادرات حقوقية مغربية حديثة إلى أن مكتب التصويت ينبغي أن يكون قابلًا للوصول والاستعمال بشكل مستقل وآمن، مع مراعاة المنحدرات والممرات والمداخل والطاولات والإرشادات وغيرها.
وهذه ليست رفاهية.
إنها شرط من شروط المشاركة الديمقراطية.
وماذا عن البرامج الانتخابية؟؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر إحراجًا للأحزاب السياسية.
نقرأ برامج انتخابية تتحدث عن:
التنمية…
التشغيل…
الصحة…
التعليم…
الشباب…
العدالة الاجتماعية…
لكن السؤال هو:
أين الأشخاص في وضعية إعاقة داخل هذه البرامج؟
هل نجد أهدافًا واضحة؟
هل نجد ميزانيات؟
هل نجد آجالًا للتنفيذ؟
هل نجد مؤشرات لقياس النتائج؟
هل نجد التزامًا بتأهيل الولوجيات؟
هل نجد برنامجًا لتشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة؟
هل نجد تصورًا للنقل العمومي الملائم؟
هل نجد سياسة حقيقية للتعليم الدامج؟
هل نجد دعمًا للأسر التي تتحمل أعباء الإعاقة؟
هل نجد تصورًا لإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في الحياة السياسية نفسها؟
إذا كانت الإجابة غالبًا هي “لا” أو أن حضور هذه القضايا محدودة ومبعثرة وغامضة ، فعلينا أن نتساءل:
هل توجد سياسة عمومية دامجة فعلًا، أم أن الإعاقة ما زالت ملفًا هامشيًا؟
المشاركة لا تعني التصويت فقط:
هناك خطأ آخر ينبغي تصحيحه.
المشاركة السياسية للشخص في وضعية إعاقة لا تبدأ صباح يوم الانتخابات ولا تنتهي بوضع ورقة في صندوق الاقتراع.
المشاركة السياسية تعني أيضًا:
-أن يكون حاضرًا في الأحزاب.
-أن يشارك في صياغة البرامج.
-أن يكون عضوًا في المجالس المنتخبة.
-أن يترشح للانتخابات
-ان يشارك في النقاش العمومي.
– أن يراقب السياسات العمومية.
-أن تكون له القدرة على التأثير في القرار.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
أين سيصوت الشخص في وضعية إعاقة؟
بل:
أين هو الشخص في وضعية إعاقة عندما تُصاغ البرامج والقرارات التي تحدد مستقبله؟
منطق “الاستفادة” يجب أن يتحول إلى منطق “المواطنة”
ربما آن الأوان لكي تتغير اللغة التي نتحدث بها عن الأشخاص في وضعية إعاقة.
ليسوا فقط:
– مستفيدين من الدعم.
– حالات اجتماعية؛
– أشخاصًا يحتاجون إلى المساعدة.
إنهم أيضًا:
*ناخبون.*
*مرشحون محتملون.*
*موظفون.*
*مقاولون.*
*فاعلون جمعويون.*
*خبراء وأصحاب كفاءات.*
*ومواطنون لهم الحق في التأثير على القرار السياسي.*
وهذا التحول في النظرة مهم جدًا.
الأحزاب السياسية مطالبة بالإجابة :
قبل الانتخابات، ينبغي أن نطرح على الأحزاب مجموعة من الأسئلة البسيطة والمباشرة:
1. كم عدد الأشخاص في وضعية إعاقة الموجودين في هياكل الحزب؟
2. هل توجد داخل الحزب لجنة أو هيئة تعنى بقضايا الإعاقة؟
3. هل توجد أسماء لأشخاص في وضعية إعاقة ضمن المرشحين أو المسؤولين؟
4. ما هي الإجراءات التي يقترحها الحزب لتحسين الولوجيات؟
5. ما هو برنامجه لتشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة؟
6. ماذا سيقترح في مجال التعليم الدامج؟
7. ماذا سيقترح في مجال النقل والتنقل؟
8. كيف سيضمن مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة في اتخاذ القرار؟
9. ما هي الميزانية التي يقترح تخصيصها لهذه السياسات؟
10. وكيف سنحاسبه بعد أربع أو خمس سنوات على ما وعد به؟
هذه الأسئلة أهم من الشعارات الانتخابية.
ماذا عن يوم 23 شتنبر؟
في الانتخابات التشريعية المقبلة، أعلنت وزارة الداخلية أن إشعارات الناخبين المتعلقة بأماكن مكاتب التصويت يتم تسليمها من 24 غشت إلى 22 شتنبر 2026.
وهنا يجب أن يكون السؤال المحلي واضحًا:
هل جرى فحص مكاتب التصويت مسبقًا من زاوية الولوجية؟
ليس فقط:
هل المكتب مفتوح؟
بل:
هل يستطيع الشخص الذي يستعمل كرسيًا متحركًا الوصول إليه؟
هل يستطيع شخص مسن أو يعاني صعوبة في الحركة دخوله؟
هل توجد مسارات آمنة؟
هل توجد إشارات واضحة؟
هل يستطيع الناخب ممارسة اختياره في ظروف تحفظ الخصوصية والكرامة؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تُطرح قبل يوم الاقتراع، وليس بعده.
لقد سبق أن طُرحت هذه الإشكالية في المغرب
هذه ليست قضية جديدة.
ففي الانتخابات التشريعية لسنة *2016*، تدخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وأعلنت وزارة الداخلية آنذاك عن توجيه دورية لمصالحها المعنية تحثها على تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة حق التصويت في أحسن الظروف.
وهذا يعني أن الإشكالية معروفة منذ سنوات.
لكن بعد عقد تقريبًا، يبقى السؤال:
ماذا تغير على أرض الواقع؟
إذا كان الشخص في وضعية إعاقة لا يزال يواجه صعوبة في الوصول إلى مكتب التصويت، فالمشكلة لم تعد في الاعتراف بالمبدأ، وإنما في تنفيذ المبدأ.
المشاركة السياسية تبدأ من احترام الكرامة.
ليس مقبولًا أن يصل المواطن إلى مكتب التصويت ثم يجد نفسه مضطرًا إلى طلب المساعدة في كل خطوة بسبب غياب الولوجيات.
وليس مقبولًا أن يشعر شخص في وضعية إعاقة بأنه عبء على العملية الانتخابية.
وليس مقبولًا أن تكون صناديق الاقتراع قريبة من الجميع إلا من الأشخاص الذين يحتاجون إلى ترتيبات خاصة.
الانتخابات يجب أن تكون للجميع :
ما الذي نحتاجه؟
نحتاج إلى خطة واضحة للانتخابات الدامجة، تتضمن:
أولًا: تدقيق جميع مكاتب التصويت من حيث الولوجية.
ثانيًا: توفير منحدرات ومسارات ومداخل ملائمة.
ثالثًا: تكوين أعضاء مكاتب التصويت في كيفية التعامل باحترام مع مختلف أنواع الإعاقة.
رابعًا: توفير معلومات انتخابية بصيغ ميسرة للأشخاص ذوي الإعاقات المختلفة.
خامسًا: ضمان سرية التصويت واستقلاليته قدر الإمكان.
سادسًا: إشراك منظمات الأشخاص في وضعية إعاقة في التخطيط للعملية الانتخابية ومراقبة مدى جاهزية مكاتب التصويت.
سابعًا: جعل موضوع الإعاقة جزءًا ثابتًا من البرامج الانتخابية، وليس فقرة موسمية تظهر قبل الانتخابات وتختفي بعدها.
وفي مدينة بني أنصار وفرخانة… السؤال أكثر إلحاحًا:
إذا كنا نتحدث عن مستقبل مدينة بني أنصار وفرخانة، فلا يمكن أن نتحدث عن التنمية وننسى الأشخاص في وضعية إعاقة.
نريد مدينة:
تكون أرصفتها قابلة للولوج.
ومرافقها العمومية مفتوحة للجميع.
ومراكزها الصحية والتعليمية أكثر إدماجًا.
ومواصلاتها أكثر ملاءمة.
وفضاءاتها الثقافية والرياضية متاحة للجميع.
والأهم:
نريد أشخاصًا في وضعية إعاقة يشاركون في صناعة القرار، وليس فقط في الاستفادة من القرار.
كلمة أخيرة للأحزاب والمرشحين :
إلى الأحزاب والمرشحين:
لا تنتظروا من الأشخاص في وضعية إعاقة أن يذكروكم بحقوقهم فقط عندما تقترب الانتخابات.
اسمعوا أصواتهم قبل الانتخابات، وأثناءها، وبعدها.
واجعلوا مطالبهم جزءًا من البرنامج، لا مجرد وعد شفهي.
وإلى الجهات المكلفة بتنظيم العملية الانتخابية:
اجعلوا يوم 23 شتنبر يومًا يستطيع فيه المواطن في وضعية إعاقة أن يدخل إلى مكتب التصويت مرفوع الرأس، وأن يمارس حقه بشكل آمن ومستقل وكريم.
فالديمقراطية لا تكون كاملة عندما يستطيع البعض فقط الوصول إلى صندوق الاقتراع.
الديمقراطية تكون كاملة عندما لا يجد أي مواطن حاجزًا يمنعه من الوصول إليه.
فاعل مدني متصرف ممتاز سابق *
Add a Comment