الرأي الحر

كتابات الدكتور مصطفى الغديري وإعادة بناء ذاكرة قلعية: نحو كتابة تاريخية علمية للريف الشرقي

6 شتنبر 2026 - 13:46

أمنوس . ما : 

مقدمة:

تمثل منطقة قلعية إحدى أهم المجالات التاريخية بالريف الشرقي، ليس فقط لقربها من مليلية، بل لأنها كانت فضاءً للتفاعل بين القبائل الريفية والدولة المغربية والقوى الأجنبية، وخاصة إسبانيا. وقد ظلت ذاكرة المنطقة لفترة طويلة حبيسة الرواية الشفوية، إلى أن جاءت أعمال الدكتور مصطفى الغديري لتعيد الاعتبار لهذا التراث التاريخي، معتمدة على الوثائق الرسمية والمصادر المغربية والإسبانية والروايات المحلية.
لقد نجح الغديري في تحويل الذاكرة من مجرد حكايات متوارثة إلى مادة تاريخية قابلة للدراسة والتحليل، وهو ما جعل كتاباته مرجعًا أساسيًا لكل باحث في تاريخ الريف عامة وقلعية خاصة
مفهوم الذاكرة عند د.مصطفى الغديري
لا يتعامل د. الغديري مع الذاكرة باعتبارها مجرد استرجاع للماضي، وإنما يعتبرها رصيدًا حضاريًا يشكل هوية المجتمع واستمراريته.
وتقوم هذه الذاكرة عنده على ثلاثة عناصر أساسية:
الوثيقة التاريخية.
الرواية الشفوية بعد إخضاعها للنقد.
الربط بين الأحداث المحلية والسياق الوطني والدولي.
وبذلك يرفض الاكتفاء بالروايات الشعبية وحدها، كما يرفض إهمالها، بل يسعى إلى التوفيق بينها وبين الوثيقة المكتوبة.
2. قلعية مجال تاريخي وليس مجرد قبيلة
تكشف كتابات الغديري أن قلعية ليست مجرد مجال قبلي، وإنما فضاء حضاري عرف استقرارًا بشريًا منذ قرون، وتأثر بموقعه الإستراتيجي المطل على البحر الأبيض المتوسط وبجوار مدينة مليلية.
ويرى أن هذا الموقع جعل المنطقة:
بوابة للتجارة.
مجالًا للتواصل الحضاري.
ساحة للصراع العسكري والسياسي.
منطقة تماس بين المغرب وإسبانيا.
ولهذا فإن تاريخ قلعية لا يمكن فصله عن تاريخ مليلية ولا عن تاريخ الدولة المغربية.
3.الاحتلال الإسباني وأثره في ذاكرة قلعية
من أبرز القضايا التي تناولها الغديري دراسة العلاقة بين سكان قلعية والوجود الإسباني بمليلية.
ويبرز من خلال الوثائق أن العلاقة لم تكن علاقة حرب دائمة ولا علاقة سلم دائم، وإنما مرت بمراحل متعددة شملت:
المقاومة المسلحة والهدن المؤقتة و المبادلات التجارية و اللجوء السياسي لبعض السكان إلى مليلية في ظروف معينة.
تدخل المخزن في تدبير العلاقة مع الثغر المحتل.
وهذا التحليل يبتعد عن القراءة التبسيطية للتاريخ ويقدم صورة أكثر تعقيدًا وواقعية.
4. أهمية الوثيقة في كتابة ذاكرة قلعية
يعد د. الغديري من أبرز الباحثين الذين اعتمدوا على الوثيقة التاريخية في دراسة الريف.
وتتنوع مصادره بين:
الوثائق المخزنية و التقارير الإسبانية. و المراسلات الرسمية و كتب الرحالة. و المصادر المحلية و الروايات الشفوية.
ومن خلال المقارنة بين هذه المصادر يعيد تركيب الأحداث بطريقة علمية، وهو ما يمنح كتاباته قيمة أكاديمية كبيرة.
5. المجتمع القلعي في كتابات د. الغديري
لا تقتصر كتابات الغديري على الأحداث العسكرية، بل تمتد إلى دراسة المجتمع المحلي، حيث يهتم بـ:
التنظيم القبلي.
العلاقات الاجتماعية.
دور الزوايا.
الاقتصاد المحلي.
التجارة الحدودية.
الهجرة.
علاقة السكان بالمخزن.
وبذلك تتحول قلعية من مجرد مسرح للأحداث إلى مجتمع حي له بنياته ومؤسساته.
6. الذاكرة والمصالحة مع التاريخ
يرى الغديري أن كتابة التاريخ ليست وسيلة لإحياء الصراعات، وإنما لفهم الماضي.
ولهذا يدعو إلى:
حفظ الأرشيف. و جمع الوثائق الخاصة .مع تسجيل شهادات كبار السن. بالاضافة الي تشجيع البحث الجامعي و حماية المواقع التاريخية.
ويعتبر أن المجتمع الذي يفقد ذاكرته يصبح عاجزًا عن فهم حاضره وبناء مستقبله.
7. القيمة العلمية لكتابات د. الغديري
تكمن أهمية أعماله في أنها:
نقلت تاريخ الريف من الرواية إلى البحث الأكاديمي. و أعادت الاعتبار للمصادر المحلية .كما صححت عددًا من التصورات الخاطئة حول المنطقة.
و أبرزت مكانة قلعية في التاريخ المغربي.
حيث آفاقًا جديدة أمام الباحثين الشباب.
ولهذا أصبحت مؤلفاته مرجعًا أساسيًا في الدراسات الجامعية المتعلقة بتاريخ الريف الشرقي.
خاتمة
تشكل كتابات الدكتور مصطفى الغديري مشروعًا علميًا متكاملًا لإعادة بناء ذاكرة قلعية والريف الشرقي على أسس تاريخية رصينة. فقد استطاع، من خلال الجمع بين الوثيقة والأرشيف والرواية الشفوية، أن يقدم قراءة متوازنة لتاريخ المنطقة بعيدًا عن التبسيط أو التوظيف الإيديولوجي.
ولعل أهم ما يميز هذا المشروع أنه يجعل من الذاكرة أداة لفهم التاريخ وتعزيز الهوية الوطنية، ويؤكد أن قلعية ليست هامشًا في تاريخ المغرب، بل فضاء أسهم في صياغة جزء مهم من تاريخه السياسي والاجتماعي والثقافي. كما تظل أعماله دعوة مفتوحة إلى مواصلة البحث في تاريخ الريف وتوثيق تراثه، حفاظًا على ذاكرة الأجيال القادمة.
عمر شريق

05 سبتمبر 2026 - 00:00

عبد القادر سلامة.. من أزغنغان إلى رئاسة مجلس المستشارين بالنيابة ومسار سياسي يتجاوز ربع قرن

04 سبتمبر 2026 - 19:30

بورتريهات فرخانية الحلقة الأولى: الدكتور سعيد بوعشرة

03 سبتمبر 2026 - 23:48

رؤية من أجل مدينة بني أنصار وفرخانة من واقع التحديات إلى آفاق التنمية والإدماج

30 أغسطس 2026 - 12:57

رأي : الانتخابات بالناظور.. بين منطق الديمقراطية و واقع المال

Add a Comment