بقلم : بغداد اهواري
في مواسم الانتخابات، ترتفع أصوات المرشحين، وتكثر الوعود والشعارات، ويصبح المواطن في قلب الخطابات والبرامج.
لكن من حقنا أن نتساءل: ماذا يقول القانون؟ وماذا يقول الشرع في الوعود الكاذبة، واستغلال حاجة الناس، وشراء الأصوات، وخداع الناخبين؟
من الناحية القانونية، الانتخابات ليست مجالًا مفتوحًا لكل الوسائل من أجل الحصول على الأصوات. فالقوانين الانتخابية تضع قواعد للحملات، والتمويل، والدعاية، وسلامة الاقتراع، وتمنع في العديد من الأنظمة ممارسات مثل شراء الأصوات، والرشوة الانتخابية، والتلاعب، والتزوير، واستعمال بعض وسائل النفوذ بصورة غير مشروعة.
أما مجرد أن يَعِد المرشح بشيء ثم لا يستطيع تحقيقه، فلا يعني بالضرورة أنه ارتكب جريمة؛ فقد يكون الوعد سياسيًا أو تقديريًا، وقد تتغير الظروف أو تظهر عوائق تمنع تنفيذه. لكن عندما يكون الوعد مبنيًا منذ البداية على الكذب المتعمد أو الخداع أو استغلال حاجة المواطن للحصول على صوته، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة من الناحية الأخلاقية، وقد تكون لها أيضًا آثار قانونية بحسب طبيعة السلوك والقانون المعمول به.
أما من الناحية الشرعية، فالأمر أشد وضوحًا من حيث المبادئ الأخلاقية.
فالإسلام ينهى عن الكذب والغش والخداع، ويأمر بأداء الأمانة إلى أهلها، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾
[النساء: 58]
والمنصب والمسؤولية العامة أمانة، وليست امتيازًا شخصيًا.
كما أن النبي ﷺ قال:
«مَن غشَّنا فليس منا»
رواه مسلم.
فإذا تحول المواطن إلى مجرد وسيلة للحصول على السلطة، وإذا استُغلت حاجته أو فقره أو جهله بالواقع السياسي من أجل التأثير على اختياره، فإننا أمام سلوك يتعارض مع قيم الأمانة والصدق والعدل التي جاء بها الإسلام.
أما شراء الأصوات مقابل المال أو الهدايا أو المنافع، فهو أمر مختلف عن مجرد الوعد السياسي؛ لأنه يدخل في باب التأثير على إرادة الناخب بالمال أو المنفعة، وهو سلوك ترفضه القوانين الانتخابية في أنظمة عديدة، ويتعارض كذلك مع مبدأ الأمانة والعدل في الشريعة.
والأخطر أن يتحول هذا السلوك إلى ثقافة متبادلة:
مرشح يقول: أعطني صوتك وسأعطيك منفعة.
ومواطن يقول: ماذا سأحصل مقابل صوتي؟
وهنا لا يعود الانتخاب وسيلة لاختيار من يتحمل مسؤولية خدمة المجتمع، وإنما يتحول إلى صفقة قصيرة المدى، يدفع المجتمع ثمنها لسنوات.
السياسة أمانة وليست تجارة
من يطلب ثقة الناس عليه أن يدرك أن المنصب العام ليس ملكًا له، وأن أصوات المواطنين ليست سلعة، وأن الوعود ليست كلمات بلا حساب.
والناخب كذلك يتحمل مسؤولية أخلاقية؛ فالصوت أمانة، ومن الخطأ أن يتحول الاختيار إلى مجرد منفعة شخصية أو استجابة لضغط أو رشوة أو تعصب.
ولهذا، فإن مواجهة النفاق السياسي لا تكون فقط بانتقاد السياسيين، وإنما أيضًا ببناء مواطن واعٍ يسأل عن البرامج، ويفرق بين الوعد والإمكان، ويراقب الأداء بعد الانتخابات، ويحاسب المسؤول بالطرق القانونية والديمقراطية.
فالسياسي مسؤول عن صدقه وأمانته،
والناخب مسؤول عن اختياره،
والقانون مسؤول عن حماية نزاهة العملية الانتخابية.
وفي النهاية، تبقى القاعدة البسيطة:
إذا كانت السياسة خدمةً للناس فهي مسؤولية، وإذا أصبحت وسيلةً لخداع الناس فهي انحراف عن معنى الأمانة.
والانتخابات النزيهة لا تحتاج إلى وعود كاذبة ولا إلى شراء للضمائر، وإنما تحتاج إلى الصدق، والبرنامج، والكفاءة، والشفافية، واحترام إرادة المواطن.
Add a Comment