الرأي الحر

هل يستطيع شباب المغرب صناعة «تجربة باريك» لتغيير المشهد السياسي المحلي؟

27 شتنبر 2026 - 13:45

أمنوس . ما : الاستاذ بغداد أهواري 

من الهاتف إلى المؤسسة… هل بدأ جيل جديد من السياسة المغربية؟


أعادت الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يستطيع الشباب أن ينتقل من موقع المتفرج والناقد إلى موقع الفاعل وصانع القرار؟
وجاءت تجربة عبد العزيز باريك، المعروف في الفضاء الرقمي باسم أسامة باريك، من إقليم ميدلت، لتقدم نموذجاً يستحق الدراسة. فقد راكم باريك حضوره قبل الانتخابات من خلال مقاطع ومنشورات تناولت قضايا المناطق الجبلية ومشاكل الطرق والخدمات الأساسية وفرص الشغل، ثم انتقل من التعبير الرقمي عن هذه القضايا إلى خوض الانتخابات باسم حزب الوحدة والديمقراطية، وتمكن، وفق المعطيات المنشورة عقب اقتراع 23 شتنبر، من تصدر نتائج دائرة ميدلت والفوز بمقعد برلماني.
هذه التجربة لا تعني بالضرورة أن النموذج قابل للنسخ كما هو في جميع مناطق المغرب، لكنها تفتح سؤالاً أكثر أهمية:
هل يمكن للشباب المغربي أن يستفيد من الدرس الذي قدمته تجربة باريك استعداداً للانتخابات الجماعية والجهوية المقبلة في 2027؟
أولاً: ما الذي جعل تجربة باريك مختلفة؟
من اللافت في هذه التجربة أن الحضور السياسي لم يبدأ داخل مؤسسة حزبية تقليدية، وإنما بدأ من المجال العام ومن قضايا الناس.
فبحسب التقارير المنشورة، كان باريك يستعمل وسائل التواصل الاجتماعي لنقل مشاكل المناطق الجبلية، خصوصاً ما يتعلق بالبنية التحتية والخدمات الأساسية والعزلة المجالية. ثم حاول تحويل هذا الحضور إلى فعل سياسي مؤسساتي.
وهنا توجد نقطة مهمة:
المتابعون على مواقع التواصل ليسوا بالضرورة ناخبين.
الانتقال من الشعبية الرقمية إلى النجاح الانتخابي يحتاج إلى شيء إضافي: حضور ميداني، معرفة بالمنطقة، ثقة محلية، قدرة على التواصل المباشر، وتنظيم انتخابي يحترم القانون.
وتبدو تجربة ميدلت، وفق التقارير المنشورة، مثالاً على هذا الانتقال من العالم الرقمي إلى الميدان ثم إلى المؤسسة.
ثانياً: لماذا يمكن أن تكون الانتخابات الجماعية أكثر ملاءمة للشباب؟
الانتخابات الجماعية تختلف في طبيعتها عن الانتخابات التشريعية.
فالسياسة المحلية مرتبطة مباشرة بحياة المواطن اليومية:
– الطرق والمسالك؛
– الإنارة والنظافة؛
– النقل؛
– الأسواق والمرافق العمومية؛
– الرياضة والثقافة؛
– الفضاءات الخضراء؛
– دعم الجمعيات؛
– التشغيل والتنمية المحلية؛
– الخدمات الاجتماعية؛
– علاقة المواطن بالإدارة المحلية.
ولهذا فإن الشاب الذي يعيش في حي أو قرية أو مدينة ويعرف مشاكلها اليومية يستطيع أن يبني خطاباً سياسياً محلياً أكثر ارتباطاً بالواقع من الخطابات العامة.
وقد أشارت تحليلات مغربية حديثة إلى أن ضعف مشاركة الشباب في الانتخابات المحلية يرتبط، من بين عوامل أخرى، بأزمة الثقة وبالشعور بأن قضايا الشباب لا تجد دائماً ترجمتها في برامج المجالس المنتخبة، وأن التواصل مع الشباب يزداد خلال فترة الانتخابات ثم يضعف بعد تشكيل المجالس.
وهنا بالضبط يمكن أن تظهر أهمية تجربة من نوع تجربة باريك.
ثالثاً: هل يستطيع شباب المغرب بناء «تجربة باريك» جماعية؟
نعم، من حيث الإمكان السياسي والاجتماعي، يمكن تصور ذلك، لكن ليس باعتبارها حملة موحدة أو مشروعاً حزبياً واحداً بالضرورة.
الأقرب إلى الواقع هو أن تظهر في عدد من المدن والقرى مبادرات شبابية محلية مستقلة أو حزبية، تتنافس انتخابياً على أساس برامج واضحة وأسماء معروفة محلياً.
ويمكن أن يبدأ ذلك قبل الانتخابات بمدة طويلة.
فبدلاً من انتظار فترة الحملة الانتخابية، يستطيع مجموعة من الشباب أن تبدأ منذ الآن في:
1. رصد مشكلات الجماعة بالأرقام والصور والوثائق.
2. الاستماع إلى السكان، وليس فقط الحديث باسمهم.
3. تحديد عدد محدود من الأولويات الواقعية.
4. دراسة اختصاصات الجماعة حتى لا تُطرح وعود خارج صلاحيات المجلس.
5. إعداد تصور مكتوب لبرنامج عمل محلي.
6. استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم المعلومات وليس فقط الدعاية.
7. بناء علاقات مع المجتمع المدني والمهنيين والفاعلين المحليين.
8. البحث عن شباب ونساء وكفاءات محلية يمكنها المشاركة.
9. الدخول إلى الحياة الحزبية إذا كان ذلك يخدم المشروع، أو البحث في الإطار القانوني المناسب للترشح المستقل حيثما كان متاحاً.
10. الحفاظ على خطاب هادئ يقوم على البرنامج والكفاءة والمحاسبة.
رابعاً: العقبة الكبرى ليست في عدد المتابعين
قد تكون وسائل التواصل الاجتماعي عاملاً مساعداً، لكنها ليست بديلاً عن السياسة المحلية.
وهذه ربما أهم نقطة يمكن استخلاصها من تجربة باريك.
فالفيديو الذي يحصل على عشرات الآلاف من المشاهدات لا يعني بالضرورة عشرات الآلاف من الأصوات.
الانتخابات المحلية لها جغرافيا مختلفة: الحي، الدوار، الجماعة، العائلة، العلاقات الاجتماعية، الحضور الميداني، الثقة الشخصية، والقدرة على العمل مع الآخرين.
كما أن الشاب الذي يريد دخول السياسة المحلية سيحتاج إلى فهم القوانين المنظمة للجماعات والانتخابات، وآليات إعداد برامج العمل، والميزانية، والاختصاصات، والصفقات، والشراكات، والديمقراطية التشاركية.
أي أن التغيير لا يصنعه فقط «مؤثر رقمي»، وإنما مواطن لديه حضور اجتماعي + معرفة بالشأن العام + برنامج + فريق + قدرة على العمل المؤسساتي.
خامساً: هل توجد أرضية اجتماعية تساعد على ذلك؟
هناك مؤشرات تستحق الانتباه.
فالشباب يمثلون كتلة سكانية مهمة في المغرب، بينما ما تزال المشاركة السياسية المؤسساتية للشباب محدودة. وقد تناولت تحليلات حديثة هذه الفجوة بين الحضور القوي للشباب في المجال الرقمي وضعف انخراطهم في المؤسسات السياسية التقليدية.
كما أن النقاش الذي رافق انتخابات 2026 أظهر استمرار التساؤل حول قدرة الأحزاب على تقديم وجوه شابة في مواقع متقدمة، رغم وجود آليات وحوافز تهدف إلى تشجيع مشاركة الشباب.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب الشباب فقط، وإنما في كيفية تحويل الرغبة في التغيير إلى مشاركة سياسية منظمة ومؤسسية.
سادساً: ما الذي يمكن أن يتعلمه الشباب من حالة ميدلت؟
ليس المطلوب تقليد أسامة باريك في شخصه أو في طريقته، وإنما دراسة العناصر التي جعلت تجربته قابلة للتحول إلى نتيجة انتخابية.
يمكن تلخيص الدرس في أربع مراحل:
المشكلة → الحضور → التنظيم → المؤسسة.
فالشاب يبدأ من مشكلة حقيقية يعيشها المواطنون.
ثم يصبح حاضراً بينهم، وليس فقط خلف شاشة الهاتف.
بعد ذلك ينظم أفكاره وفريقه وبرنامجه.
وأخيراً يحاول تحويل هذا الرصيد الاجتماعي إلى مشاركة داخل المؤسسة المنتخبة.
إذا توقفت العملية عند المرحلة الثانية، يصبح الشاب ناشطاً أو صانع محتوى.
أما إذا وصلت إلى المرحلة الرابعة، فإنه يصبح فاعلاً مؤسساتياً.
سابعاً: ماذا يمكن أن يحدث في انتخابات 2027؟
من السابق لأوانه توقع شكل النتائج المقبلة، ولا يمكن الجزم بأن تجربة ميدلت ستتكرر في مدن أو جماعات أخرى.
لكن يمكن تصور ثلاثة مسارات:
المسار الأول: استمرار العزوف.
يبقى قسم من الشباب بعيداً عن الأحزاب والانتخابات، وتظل وسائل التواصل مجالاً للتعبير أكثر من كونها مدخلاً إلى المؤسسات.
المسار الثاني: استقطاب الشباب من طرف الأحزاب.
قد تسعى الأحزاب إلى البحث عن وجوه شابة لها حضور اجتماعي أو رقمي، وهو توجه ظهرت بعض مؤشراته بالفعل في انتخابات 2026.
المسار الثالث: بروز مبادرات شبابية محلية جديدة.
وهنا يمكن أن تتحول تجربة باريك إلى مصدر إلهام لشباب في جماعات أخرى، ليس من خلال تقليدها حرفياً، بل عبر بناء تجارب مرتبطة بخصوصية كل منطقة.
وهذا المسار الثالث هو الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية السياسية والاجتماعية، لأنه يطرح سؤالاً أكبر من مجرد فوز مرشح شاب:
هل نحن أمام بداية تحول في طريقة صناعة النخب المحلية؟
ثامناً: التحدي الحقيقي يبدأ بعد الفوز
هناك جانب آخر ينبغي ألا يغيب عن النقاش.
الفوز الانتخابي ليس نهاية التجربة وإنما بدايتها.
فالشاب الذي يصل إلى البرلمان أو المجلس الجماعي يصبح أمام اختبار مختلف تماماً: هل يستطيع تحويل الوعود إلى مقترحات؟ هل يستطيع فهم المؤسسات؟ هل يستطيع التعاون مع المختلفين معه؟ هل يستطيع الدفاع عن مصالح منطقته بالوثائق والأرقام؟ وهل يستطيع المحافظة على التواصل مع المواطنين بعد انتهاء الانتخابات؟
ولهذا فإن نجاح أي تجربة شبابية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأصوات التي حصل عليها صاحبها، وإنما أيضاً بما يستطيع أن يقدمه بعد الوصول إلى المؤسسة.
خاتمة: من «تجربة شخص» إلى «ثقافة جيل»
قد تكون أهم قيمة في تجربة أسامة باريك أنها أعادت طرح فكرة كانت تبدو صعبة لدى البعض: أن الشاب الذي يأتي من خارج النخب السياسية التقليدية يمكنه أن يدخل المنافسة الانتخابية إذا استطاع أن يبني صلة حقيقية مع مجتمعه.
لكن تحويل هذه الحالة إلى ظاهرة وطنية يحتاج إلى شروط أكبر من مجرد الحماس.
يحتاج إلى شباب يتعلمون السياسة، لا يكتفون بانتقادها؛ وإلى أحزاب تفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة؛ وإلى مجتمع مدني يراقب ويقترح؛ وإلى ناخبين يقيّمون البرامج والأداء؛ وإلى قواعد انتخابية ومؤسساتية تضمن المنافسة العادلة.
لذلك، فإن السؤال بالنسبة إلى انتخابات 2027 ليس فقط:
«هل يستطيع الشباب أن يفوزوا؟»
بل السؤال الأعمق هو:
«هل يستطيع الشباب أن يبنوا مدرسة جديدة في العمل السياسي المحلي، يكون أساسها القرب من المواطن، والبرنامج، والكفاءة، والشفافية، والمحاسبة؟»
إذا حدث ذلك، فلن تكون تجربة أسامة باريك مجرد نتيجة انتخابية في ميدلت، وإنما ستكون حالة سياسية تستحق الدراسة لمعرفة ما إذا كان المغرب يشهد فعلاً انتقالاً تدريجياً من نخب محلية تقليدية إلى نخب جديدة أكثر شباباً واتصالاً بالمجتمع والفضاء الرقمي.
وهذا، في النهاية، لن تحسمه وسائل التواصل الاجتماعي وحدها، وإنما صناديق الاقتراع ثم أداء المنتخبين بعد الوصول إلى المؤسسات.

28 سبتمبر 2026 - 04:45

رأي : فاش كانوا رؤساء ونواب.. أشنو خلاو لينا فـجماعات إقليم الناظور

26 سبتمبر 2026 - 19:45

انتخابات إقليم الناظور

26 سبتمبر 2026 - 13:46

الدكتور يزيد كلابيلي ينتقد «محللي ما بعد الانتخابات» ويدعو إلى نقاش سياسي جاد

20 سبتمبر 2026 - 16:04

النفاق السياسي بين القانون والشرع… أين تنتهي الوعود وتبدأ المسؤولية؟

Add a Comment