إشهار
التفاصيل أكثر 👇
الرأي الحر

حين يسكن الوحش الإنسان… وحين يختبئ النفاق خلف التقوى قراءة نقدية في الفيلم الأمازيغي Monsters في ضوء نظرية التحليل التفاعلي Eric Berne

18 مارس 2026 - 09:57

أمنوس.ما : بقلم الدكتور عبد المجيد بنقادة

حين يسكن الوحش الإنسان… وحين يختبئ النفاق خلف التقوى

قراءة نقدية في الفيلم الأمازيغي Monsters في ضوء نظرية التحليل التفاعلي Eric Berne

في الظاهر يبدو فيلم Monsters للمخرج Aksel Rifman عملاً سينمائياً ينتمي إلى سينما الإثارة التقليدية، حيث يقوم على حبكة اقتحام منزل واحتجاز رهائن داخل فضاء مغلق. غير أن هذا الانطباع الأولي سرعان ما يتبدد مع تطور الأحداث، ليكتشف المشاهد أنه أمام دراما نفسية واجتماعية عميقة تتجاوز حدود الإثارة إلى مساءلة بنية العنف والظلم داخل المجتمع.

فالفيلم في جوهره ليس مجرد مواجهة بين مهاجمين وضحايا، بل مسرح نفسي مكثف تُعرض فوقه صراعات الإنسان مع السلطة والاعتراف والعدالة. وخلف الأقنعة التي يرتديها الرجال الملثمون، وخلف جدران المنزل الذي يفترض أنه فضاء للأمان، تنكشف مأساة إنسانية أعمق: مأساة التواصل حين يتحول إلى صراع، والإنسان حين يتحول إلى دور داخل لعبة نفسية معقدة.

ويبرز في هذا السياق ذكاء البناء الإخراجي والسيناريو، حيث نجح المخرج في تحويل المنزل إلى ما يشبه مختبراً نفسياً تتفكك داخله العلاقات وتظهر الطبقات الخفية للشخصيات. إن الاقتصاد في المكان، والتركيز على الحوار المشحون بالتوتر، يمنح الكاميرا دوراً يتجاوز مجرد التصوير، لتصبح أداة تحليلية تراقب التفاعلات الإنسانية وتكشف تناقضاتها.

كما أن هذا البناء الدرامي ما كان ليبلغ هذا العمق لولا الأداء التمثيلي المتميز للممثلين، الذين نجحوا في تجسيد الصراع النفسي للشخصيات بصدق كبير. فالنظرات والصمت ولغة الجسد تتحول في كثير من اللحظات إلى خطاب درامي موازٍ للحوار، مما يمنح الشخصيات كثافة إنسانية تجعل الصراع ملموساً لدى المشاهد.

غير أن التحول الدرامي الأهم في الفيلم يظهر في نهايته، عندما يكتشف المشاهد أن ما بدا وكأنه مجموعة من “الوحوش” ليس في الحقيقة سوى تجسيد لصراع داخلي داخل شخصية واحدة: شاكر. وهنا ينقلب المعنى الرمزي لعنوان الفيلم، فالوحوش ليست أشخاصاً متعددين، بل وجوه مختلفة للنفس البشرية حين تتمزق بين الحب والغضب والسلطة.

يمكن قراءة هذه الشخصية المركبة في ضوء نظرية التحليل التفاعلي التي أسسها إريك برن، والتي ترى أن الإنسان يتحرك من خلال ثلاث حالات للأنا: الأنا الوالد، الأنا الراشد، والأنا الطفل.

في حالة شاكر، يظهر أولاً الطفل الجريح، أي العاشق الذي فقد المرأة التي أحبها. فقد كانت حبيبته تعمل خادمة لدى الحاج أحمد، لكنها تعرضت للاستغلال والاغتصاب منه، ما أدى إلى حملها ثم إلى انهيارها النفسي وانتحارها. هذا الحدث التراجيدي لم يكن مجرد مأساة شخصية، بل جرحاً نفسياً عميقاً ولد شعوراً بالظلم والمهانة.

ومع تراكم الألم يتحول هذا الطفل الجريح إلى طفل متمرد. هنا يظهر ما يسميه الفيلم “الوحش”: ليس مخلوقاً أسطورياً، بل الغضب الإنساني حين يتحول إلى مشروع انتقام. هذا الجانب من شخصية شاكر يسعى إلى استعادة العدالة بالقوة بعد أن فشل المجتمع في إنصاف الضحية.

لكن شاكر لا يتحرك فقط بدافع الغضب، بل يظهر داخله أيضاً الأنا الوالد السلطوي، أي الجانب الذي يخطط ويدير المواجهة وكأنه يقيم محكمة أخلاقية داخل هذا الفضاء المغلق. وهكذا يصبح شاكر في آن واحد ضحية وقاضياً وجلاداً.

غير أن الفيلم لا يكتفي بتحليل مأساة الفرد، بل يوجه نقداً اجتماعياً حاداً من خلال شخصية الحاج أحمد. فهذه الشخصية تمثل نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته النفاق الاجتماعي. ففي الظاهر يظهر الحاج أحمد كرجل متدينا يؤدي الصلاة ويحظى بمكانة اجتماعية محترمة، لكنه في الخفاء يمارس أفعالاً تناقض هذه الصورة تماماً: استغلال السلطة، وتعاطيه المخدرات، واغتصاب الخادمات الضعيفات.

هذا التناقض يكشف أحد المحاور النقدية القوية في الفيلم: الفجوة بين الصورة الاجتماعية والواقع الأخلاقي. فالحاج أحمد يمثل نموذجاً للشخصية التي ترتدي قناع التقوى بينما تمارس أبشع أشكال الظلم. وهنا يصبح العنف الذي يمارسه شاكر نتيجة مباشرة لبنية اجتماعية تسمح بانتشار الظلم تحت غطاء الاحترام الاجتماعي.

وتبلغ التراجيديا ذروتها عندما يحاول شاكر قتل الحاج أحمد. لكن المفارقة القاسية التي يصوغها السيناريو تكمن في أن الرصاصة تصيب ابنته بدلاً منه. هذه اللحظة ليست مجرد حادثة درامية، بل تحمل دلالة رمزية عميقة: فالحاج أحمد يجد نفسه فجأة يعيش الألم نفسه الذي تسبب فيه للآخرين. وكأن العدالة التراجيدية تجعله يتذوق مرارة الفقدان كما تذوقها شاكر حين فقد حبيبته.

لكن هذه العدالة المأساوية لا تمنح الخلاص. فبعد تحقق الانتقام الرمزي، يكتشف شاكر أن الانتقام لم يشف جرحه العميق. بل على العكس، يدرك أن العنف لم يعيد الماضي ولم يعوض الفقدان. وفي لحظة انهيار نفسي كامل، يختار الانتحار، في نهاية تلخص المأساة الإنسانية للفيلم.

في هذا السياق يكتسب عنوان الفيلم Monsters بعداً رمزياً بالغ القوة. فالوحوش هنا ليست كائنات خارقة، بل تحولات نفسية واجتماعية قد تصيب الإنسان عندما يتراكم الظلم ويغيب الاعتراف وتنتشر الازدواجية الأخلاقية.

وهكذا يقدم الفيلم تجربة سينمائية تتجاوز حدود الإثارة إلى تأمل نقدي عميق في طبيعة الإنسان وفي بنية المجتمع نفسه. فمن خلال قصة شاكر، يطرح العمل سؤالاً مؤلماً لكنه ضروري:

هل يولد الإنسان وحشاً…
أم أن الظلم والنفاق الاجتماعي قادران على صناعة الوحوش؟

بهذا المعنى يتحول فيلم Monsters إلى أكثر من قصة انتقام؛ إنه مرآة إنسانية تكشف التوتر الدائم بين العدالة والانتقام، وبين صورة المجتمع عن نفسه وحقيقته الخفية.
الدكتور بنقادة عبد المجيد

01 يونيو 2026 - 20:52

الاستاذ فؤاد الكردادي يكتب : ماذا……. لو؟

26 مايو 2026 - 13:15

رأي : في المغرب يمكنك أن تجد مواطنًا مستعدًا لمقاطعة العالم بأسره لكنه ينهار نفسيًا أمام خروف يمرّ بجانبه ويقول: “مباااع”

24 مايو 2026 - 13:20

مهديو السياسة والماركة الرقمية: حين يصبح “الفيس بوك ” صكا للشرعية

23 مايو 2026 - 23:00

بوتخريط : في الناظور لا توجد فقط بنايات آيلة للسقوط ، هناك كذلك شوارع قابلة للاندثار

Add a Comment