أمنوس.ما : محمد الحدوشي
أثار إعلان وزارة العدل عن مباراة توظيف محررين قضائيين موجة من الجدل في الأوساط القانونية، خاصة في صفوف خريجي شعبة القانون، الذين عبّروا عن استغرابهم من عدم منح تخصصهم الأولوية في ولوج مناصب ترتبط في جوهرها بالعمل القانوني والمساطر القضائية.
فالمحرر القضائي، بحكم المهام المنوطة به، لا يضطلع بدور إداري محض، بل يباشر وظائف دقيقة تتعلق بتحرير المحاضر، وصياغة الوثائق القانونية، وتتبع الملفات القضائية، وهي مهام تتطلب إلمامًا عميقًا بالقانون، سواء من حيث المفاهيم أو من حيث التطبيق العملي داخل المحاكم. وعليه، فإن المنطق السليم يقتضي أن يكون خريجو القانون في صدارة الفئات المستهدفة بهذه الوظائف، باعتبارهم الأكثر تأهيلاً واستيعابًا لخصوصيات العمل القضائي.
غير أن ما حمله الإعلان من فتح الباب أمام تخصصات بعيدة نسبيًا عن الحقل القانوني، مقابل غياب أو تهميش واضح لخريجي القانون، يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام مبدأ الملاءمة بين التكوين والوظيفة. فكيف يمكن لمرفق يقوم أساسًا على القانون أن يُقصي أبناء هذا التخصص من وظائفه الأساسية؟ وأي رسالة تُوجَّه للطلبة الذين اختاروا مسار القانون، إذا كانت فرص الاندماج المهني داخل قطاع العدالة لا تعكس هذا الاختيار؟
إن الدفاع عن أولوية خريجي القانون لا ينبغي أن يُفهم كدفاع فئوي ضيق، بل هو دفاع عن منطق الكفاءة والتخصص، وعن جودة العدالة نفسها. فإسناد مهام ذات طبيعة قانونية إلى غير المتخصصين قد ينعكس سلبًا على دقة الإجراءات وسلامة المساطر، وهو ما قد يؤثر في نهاية المطاف على حقوق المتقاضين وعلى ثقة المواطن في العدالة.
ثم إن هذا التوجه يكرّس مفارقة واضحة: من جهة، يتم تكوين أفواج من الطلبة في كليات الحقوق، وتشجيعهم على التخصص في القانون، ومن جهة أخرى، يتم تضييق منافذ ولوجهم إلى المهن المرتبطة بتخصصهم، مما يساهم في تفاقم بطالة حاملي الشهادات القانونية.
إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة النظر في فلسفة التوظيف داخل قطاع العدالة، بما يضمن انسجامًا حقيقيًا بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات الوظيفة العمومية، ويعيد الاعتبار للتخصص القانوني داخل مؤسساته الطبيعية. فالإصلاح الحقيقي للعدالة لا يمر فقط عبر تحديث القوانين، بل أيضًا عبر حسن اختيار الموارد البشرية القادرة على تنزيلها بكفاءة واحترافية.
وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال معلقًا
هل نحن أمام اختلال عابر في تدبير المباريات، أم أمام توجه جديد يعيد رسم خريطة الولوج إلى مهن العدالة بعيدًا عن منطق التخصص؟

Add a Comment