بقلم الاستاذ : فؤاد لكرادي
إن تلك التصريحات العفوية، الساخرة، والمشحونة أحياناً بالتمرد، والتي يطلقها بعض المترشحين والمترشحات أمام مراكز الامتحانات، ليست مجرد “كلام عابر” ينتهي بانتهاء البث المباشر، ولا هي مجرد تنفيس عابر لتلميذ يطمح في شهادة “البوز – الترند “. إنها، في عمقها، مادة سوسيولوجية ونفسية خام تستدعي منا إنصاتاً عميقاً وتفكيكاً رصيناً؛ إذ إن هذا التصريح بالذات هو الذي يجب أن نقف عنده ملياً، لنرى من خلاله: هل حققت المؤسسة المدرسية هدفها الأساس الذي هو التنشئة الاجتماعية؟
حين نحلل هذه المادة الكلامية، نطالع خللاً صريحاً في تمثل مفهوم القانون وتكافؤ الفرص؛ فعندما تتحول عبارات مثل “زيرونا”، “زمتونا”، أو “طلقوا لينا” إلى لغة تظلم جماعي ، يظهر جلياً أن التلميذ لا يرى في “أستاذ الحراسة” حامياً لحقه ولعدالة الاستحقاق، بل يراه “خصماً” يحول بينه وبين النجاح. هذا الاغتراب القيمي يجعل من الصرامة وتطبيق القانون مساً بالحقوق الشخصية وتضييقاً يتعين الهروب منه، وهو ما يضع وظيفية التنشئة الاجتماعية للمدرسة على محك المساءلة.
ومن جهة أخرى، فإن التصريحات التي تعلن فيها بعض التلميذات الرغبة في الزواج كبديل عن شهادة البكالوريا، أو الحديث المتهكم عن وسامة الأساتذة والزملاء لتسويغ غياب التركيز، هي في الواقع “آليات دفاعية نفسية” للهروب من قلق مواجهة الفشل وتبرير العجز الذاتي. لكنها في العمق تكشف عن أزمة دافعية حادة وغياب لـ “المشروع الشخصي” لدى المتعلم؛ مما يثبت أن المؤسسة لم تحقق الكفايات المرجوة، خصوصا القيمية والاجتماعية ، بل تحولت في تمثلاتهم إلى عبء ثقيل يودون الانعتاق منه بأي شاكلة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة؛ إن المحك الحقيقي لأي منظومة تربوية ليس هو شحن الرؤوس بالمعارف المعزولة، بل مدى قدرتها على إنتاج “مواطن مسؤول ومتوازن”، يملك الحد الأدنى من الوعي القانوني، وقادر على تقديم تصريح مسؤول ومتزن يعكس نضجه الفكري حتى في لحظات الضغط النفسي. وهذه التصريحات غير المتوازنة هي بمثابة مرآة كاشفة تخبرنا أن وظيفة التنشئة الاجتماعية داخل فضاءاتنا التعليمية تعيش مخاضاً صعباً، وأن خريج هذه المدرسة لم يتشرب بعد تلك القيم والمبادئ المنظمة للحياة المشتركة.
إن هذه الأصوات، وإن بدت هازلة أو مشتتة، هي صرخة غير واعية من جيل يعيد صياغة تمثلاته حول المعرفة، والمؤسسة، والقانون خارج الأنماط الكلاسيكية وعلينا وعلينا باعتبارنا فاعلين تربويين ألّا نمر عليها مرور الكرام، بل أن نلتقط هذه الإشارات كأدوات تشخيص حقيقية لإعادة بناء الوعي الأخلاقي والقانوني لدى ناشئتنا، وضبط بوصلة التنشئة الاجتماعية لتؤدي دورها الأساس.
وفق الله أبناءنا وسدد خطاهم.
Add a Comment