الرأي الحر

هشام السوداني يكتب ” مصيبتنا في تناقضنا وذاكرتنا في خبر كان “

4 أكتوبر 2026 - 18:10

بقلم : هشام السوداني 


في إطار النقد الذاتي، والانطلاق من الذات والانتماء أولاً، ثم التوجه نحو الآخر الذي نختلف معه، ربما يكون من الضروري أن نتوقف قليلاً مع أنفسنا قبل أن نحاكم مواقف الآخرين، فكلما استوقفتنا محطة ما في الحياة السياسية والانتخابية، إلا وكان لنا موقف في حينه، حسب الزمكان والسياق العام والخاص، وحسب ما توفر لدينا من معطيات ومعلومات في تلك اللحظة، بمجرد أن يكون موقفنا موقفاً مدافعاً، إلا وتجدنا نفلسف ونراوغ بكل الإمكانيات المتاحة معرفياً ولغوياً من أجل إقناع الآخر بأن موقفنا يجانب الصواب بشكل كبير، بالرغم من أن الآخر يراه بعيداً كل البعد عن الحقيقة والواقع، من خلال موقع اصطفافه وموقعه من المشهد، وهنا نسقط جميعاً و في كثير من الأحيان، في فخ الاختلاف المذموم دون شعور، فتجدنا نتفاعل بشكل مفرط، ونقاطع الآخر بسيل من المعطيات القريبة والبعيدة عن الموضوع، لتقوية حججنا التي قد تقبل الصح والخطأ في آن واحد إذا ما وضعناها في معيار الموضوعية وقناعة كل شخص.

بل إن الإشكال لا يكمن دائماً في اختلافنا حول الواقعة نفسها، وإنما في اختلافنا حول تأويل الواقعة، فالواقعة واحدة لكن قراءتها تختلف باختلاف الموقع والانتماء والمصلحة والتجربة السياسية لكل واحد منا ، فمثلاً: ونحن على بعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة، تجدنا جميعاً نناقش مخرجات الاجتماعات التي تجمع بين الأحزاب المتفاوضة، وما قررته المجالس الوطنية لكل حزب، كلٌّ من زاويته وهواه ، فبعضنا يرى أن الحزب الفلاني يعرض نفسه بتقبل الفتات القليل فقط من أجل تواجده ضمن التشكيلة، وآخر يرى أن حزب علّان تنازل بشكل مفرط، وإلى حد الإذلال، عن قناعاته ومواقفه فقط ليكون جزءاً من تلك المجموعة الحاكمة أو المحكومة!، وآخر يرى أصلاً أن كل تلك الأحزاب مجرد مؤسسات يعمرها أشخاص لا يستحقون التواجد هناك أصلاً، وهو الذي قصد صناديق الاقتراع لاختيار إحدى تلك الفرق!، وفي جانب اخر هناك من يرى أن الظرفية السياسية تستوجب قراءة مختلفة، وأن الحزب قد يكون أمام حسابات تتجاوز اللحظة، وأن المشاركة في الأغلبية قد تكون بالنسبة إليه وسيلة للحفاظ على حضوره السياسي والتنظيمي، أو ممارسة التأثير من داخل المؤسسات بدل البقاء في موقع المعارضة.

والأحزاب السياسية ومن يمثلها تبني قراراتها ومواقفها بناءً على الكثير من الأسس؛ أهمها الاصطفاف في المعارضة لأكثر من ولايتين، والذي قد يضعف الحزب من حيث القواعد الانتخابية والاستقطاب، وفي المقابل فإن التواجد ضمن الأغلبية قد يقوي صفوفه ويمنحه إمكانية أكبر للحضور والتأثير، ايضا ترى بعضها أن الظرفية حساسة وتستوجب حساً وطنياً عالياً، وبالتالي فإن تواجدها داخل الأغلبية سيشكل إضافة نوعية للعمل الحكومي الناجع، وهناك من يقرأ الأمر من زاوية مختلفة تماماً.

وفي الحقيقة، قد يكون كل طرف قد بنى موقفه على جزء من الحقيقة، لكن المشكلة تبدأ عندما نحول ذلك الجزء من الحقيقة إلى الحقيقة كلها، فنحن كثيراً ما نخلط بين ما نعرفه وما نعتقده، وبين ما حدث فعلاً وما نتوقع حدوثه، وبين الواقعة وتأويلها، وبين المعلومة والرغبة، وبعد أن يتم الأمر ويفرض نفسه أمام الأمر الواقع، ستتغير البوصلة، ويذهب كل موقف مهب الريح، ويكون ربما جد بعيد عما حدث حقيقةً.

لكن، وبفضل التناقض البنيوي الذي نعيشه، سنظل ندافع ونغير من مواقفنا باستمرار، ما دمنا محكومين بالانتماء، وهنا تظهر مفارقة أخرى أكثر عمقاً: هل نحن ندافع عن قناعاتنا، أم أن انتماءنا هو الذي يعيد تشكيل قناعاتنا؟

فمادمنا داخل دائرة الانتماء، يصبح من الصعب أحياناً أن نرى الأشياء خارج موقعنا وقد يتحول الانتماء من مجرد اختيار سياسي إلى إطار يحدد لنا كيف نفهم الحدث وكيف نفسر موقف الآخر، وكيف نحكم على النتيجة، ولن نشعر أبداً بالرضا عن أنفسنا ما دمنا نحاسَب في الشارع عن أفعال لم نرتكبها، لكن وبحكم الانتماء يراك الآخر شريكاً وتستحق الحساب، لهذا نقضي ساعات، وربما أياماً، نناقش نفس الموضوع، كلٌّ يحاول فرض أفكاره من الزاوية التي يراها هو مناسبة ومنسجمة مع قناعاته وانتمائه.

لكن هنا نغفل جميعاً التوجه نحو الاحتكام إلى النتائج في حينها، وعدم التسرع في التموقع بمجرد بزوغ الواقعة لدى العموم، أو على الأقل عدم التحدث بنوع من اليقين المجرد من الشك والنسبية، لتفادي الاصطدام بالحقيقة التي يمكن أن تكون لدى الآخر بعد مرور الوقت، وهذا لا يعني أن نبقى بدون موقف أو أن نتهرب من النقاش السياسي، وإنما يعني أن نفرق بين الموقف المؤقت والحكم النهائي، وبين قراءة اللحظة وقراءة النتيجة، فليس كل ما نعتقده اليوم حقيقة نهائية، وليس كل ما نراه من زاويتنا يمثل بالضرورة الصورة الكاملة.

بل إن النضج السياسي يقتضي أحياناً أن نقول: لا نعرف بعد ؛ المعطيات الحالية لا تسمح بالحسم؛ او ربما نكون مخطئين.

وهذه ليست علامات ضعف أو تردد، وإنما قد تكون من علامات الوعي السياسي، لأن الاعتراف بحدود المعرفة أكثر صدقاً من صناعة يقين وهمي حول واقع لم يكتمل بعد، وبهذا نكون قد تفادينا الكثير من الجهد لإقناع الآخر بأشياء لم نعرف بعد حقيقتها، أو تتقبل التأويل لأكثر من رأي، ولا تُعرف حقيقتها إلا بعد حين وموعدها، وهنا يكمن الإشكال مع ضبط النفس ومحاولة التخلص من السقوط في نقاشات سابقة لأوانها، أو نقاشات مبنية على مصادر لا يمكن الوثوق بها، ليكون النقاش أكثر فاعلية وواقعية، بحجج تمت فعلاً، لا أن تكون مجرد تنبؤات فقط، ولعل الأخطر من ذلك كله هو أن تتحول ذاكرتنا السياسية إلى ذاكرة انتقائية ، نتذكر منها ما يخدم موقفنا الحالي، وننسى ما كان يناقضه بالأمس.

فقد ندافع اليوم عن فكرة كنا ننتقدها بالأمس، ونهاجم موقفاً كنا ندافع عنه في وقت سابق، ليس بالضرورة لأن الحقيقة تغيرت، وإنما لأن موقعنا تغير.

وهنا تصبح الذاكرة في خبر كان.

نحن لا نكتفي أحياناً بتغيير مواقفنا، وإنما نعيد تفسير مواقفنا السابقة حتى تبدو منسجمة مع موقفنا الحالي، وكأننا لم نقل بالأمس ما نقوله اليوم، أو لم ندافع بالأمس

04 أكتوبر 2026 - 19:57

الاستاذ فؤاد لكرادي يكتب عن ” عيد المدرس”

29 سبتمبر 2026 - 12:04

تناقضات صناديق الأقطاب التجمعية بالناظور: هل هي مجرد “أصوات محتشمة” أم خيانة تنظيمية تستوجب المحاسبة؟

28 سبتمبر 2026 - 04:45

رأي : فاش كانوا رؤساء ونواب.. أشنو خلاو لينا فـجماعات إقليم الناظور

27 سبتمبر 2026 - 13:45

هل يستطيع شباب المغرب صناعة «تجربة باريك» لتغيير المشهد السياسي المحلي؟

Add a Comment