فؤاد لكرادي
استيقظتُ صباح الخامس من أكتوبر، لا على صوت المنبه الروتيني، بل على “زخات” لا تتوقف من الرسائل على الهاتف: صور زاهية، ملصقات وردية، وبطاقات تهنئة معلبة تتنقل في مجموعات “الواتساب” بضغطة زر، تُبارك للمدرس عيده وتُعظم شأنه.
ابتسمتُ بتهكمٍ خفيف، وأخذتُ محفظتي متوجهاً نحو الثانوية، مستعداً ليوم آخر من الغبار الأبيض، صرير الطبشور، وصياح التلاميذ. لكنني ما إن بلغتُ البوابة الخارجية، حتى سمرتني المفاجأة…
كانت هناك سجادة حمراء فاخرة تمتد من الباب الرئيسي، تتمدد بخلاب على الأرضية الحجرية لتصل مباشرة إلى قاعة الأساتذة!
دعكتُ عينيّ متسائلاً إن كنتُ قد أخطأتُ المؤسسة، لكن عبق البخور ورائحة الشاي المسبك بالنعناع اقتاداني للداخل. وهناك رأيتُ ما لم تره عين معلم من قبل: زملائي الأساتذة يتضاحكون في سرورٍ صافٍ، وعلى المائدة الكبرى دروعٌ رمزية، شواهد تقديرية أنيقة، وباقات ورد حمراء فخمة .
بين الفينة والأخرى، تتقدم ثلة من التلاميذ، بوجوه طلقة وورود متفتحة، يبتسمون بامتنان حقيقي ويقولون بصوت واحد: “كل عام وأنت بخير يا أستاذنا العزيز”.
جلسنا معاً نتجاذب أطراف الحديث، ونحن نشعر – لأول مرة منذ سنوات – بأن كل تلك الساعات التي سُكبت بين الجدران والألواح لم تذهب جفاءً. وما زاد الموقف بهجة، أن رئيس جمعية الآباء وقف وسط القاعة، وأعلن بصوتٍ جهوري: “قررت الجمعية أن تُهدي عمرة إلى بيت الله الحرام لأكبر أساتذتنا سناً وأكثرهم عطاءً!”
تعلت الصيحات، واختلطت دموع الفرح بابتسامات الوفاء، وشعرتُ بدفء عميق يغمر صدري…
وفجأة… تشنجت رجلي، واختلت توازني، لأستفيق مذعوراً!
تلاشت السجادة الحمراء، واختفت باقات الورد وعمرة الجمعية… لأجد نفسي نائماً بجلسة مقلوبة على الأريكة…
Add a Comment